حوراء النداوي
الشعر كان ولا يزال له تأثير مباشر بحجم سلطة.. و لكونه كلام مقفى، اعتمده القدامى كأثر لا يبلى تمكنوا من خلاله الحفاظ على الرسائل التي أرادوا بثها و ترويجها بين العامة، حيث الغالبية العظمى في ذلك الحين كانت غير متعلمة.. فسهل بالتالي توصيل الرسالة الى الناس عبر هذا الكلام ذي السجع، سهل الحفظ و الترديد، و العصي على النسيان..أما بالنسبة للعرب.. فإن الشعر كان بالاضافة الى ذلك محفز البلاغة في لغة عظيمة البلاغة من الأساس..
وكان العراق أحد أهم الدول العربية التي أنتجت شعراء، بل لعله أهمها على الأطلاق.. فمنه نبع المتنبي بكل عظمته.. وفيه فقط تجرأ الشعراء على الانتقال بالشعر من محطة لأخرى عبر السياب و الملائكة.. ثم انتهاءً بإنفرادية عصرية للجواهري.. هذا بالإضافة إلى الأعداد الهائلة من الشعراء الذين ينتجهم العراق على الدوام، فبثهم رجالاً كثيراً و نساء.. ورغم المكانة التي يحتلها الشعر العراقي على الصعيد العربي، إلا أنه في الآونة الأخيرة وقف مكبلاً أمام انهيال الشعر الشعبي على الساحة الأدبية في العراق.
والشعبي العراقي له خصوصيات و اعتمادات شبه ثابتة.. فهو مبدئياً يكون باللهجة العامية، و تحديداً العامية الجنوبية.. اذ يبقى حتماً حتى على الشعراء من غير الجنوبيين ان يصيغوا شعرهم جنوبياً ، ولعل أشهر هؤلاء هو البغدادي مظفر النواب الذي تفوق في بعض من مفرداته على ابناء المنطقة انفسهم، بعد ان تشبع شعره بلهجتهم تماماً.
اتضح مؤخراً أن الشعر الشعبي قد طغى باكتساح شمل ليس فقط العراق بلهجاته و لغاته المختلفة بقدر، ولكنه ايضاً طال المنطقة و لا سيما دول الخليج القريبة اللهجة من لهجته الجنوبية.. فباتت الانواع المختلفة من الشعر الشعبي كالابوذية و الدارمي و الموال تدرج على السنة غير العراقيين، ربما عبر ما هو مجرد اغنية في بادئ الامر لتنتهي حالياً بتطلع متزايد من قبل العرب الى شعر مكتوب باللهجة العراقية..
الشعر الشعبي على وجه الخصوص له وقع مدهش في نفوس العراقيين.. بكلماته النابعة من اللهجة المحكية القريبة من المتلقي، سواء كان بسيطاً أو متعلماً، مسناً أو شاباً.. و هذا التأثير الجلي لهذا المنحى الابداعي حدى بالنظام السابق لمنعه دوناً عن غيره من الفنون.. ليعود بعد ذلك مقولباً ومكرساً لصالح النظام فقط.. فظهر علينا شعراء كان شعرهم خدمة للنظام و تمجيداً لصدام و حروبه، من أمثال فلاح عسكر و عباس جيجان..
و لمّا كان الشعر الشعبي بهذا القرب من ابن الشارع، اعتبر بعض المثقفين العراقيين من المناصرين للفصحى، انتشاره في هذا الوقت تهديداً للغة الأصل.. سيما و أن الظروف الراهنة في العراق لم تساعد على تطور الفصحى، فتراجعت شيئاً ما.. ليجد الشعر الشعبي الساحة أكثر اتساعاً أمامه مما مضى.. فتطور على حساب الاخير، و تطور معه شعراء شباب بشكل مذهل.. فباتت الصور الشعرية تتدفق من بين أيديهم، في الوقت الذي جفت فيه نسبياً عند أهل الفصحى..
مع هذا التعملق النوعي في واقع الشعر الشعبي، نتفاجأ لما آل إليه الشعر الفصيح الذي بات أقل قيمة مما مضى، سيما و اننا نتحدث عن الشعر في العراق حيث المسألة هنا تأخذ بعداً نسبياً.. و لعل الامال الكبيرة المعلقة على شعراء الفصحى العراقيين هي السبب الذي يدعو الكثير منهم لاستنباط مفتعل لجمل شعرية ضخمة اللغة، ربما لمحاكاة دهر مضى .. فتطغى بذلك قوة اللغة في اغلب الاحيان على الصورة الشعرية والفكرة الاساسية، فتجد أشعاراً بالية الصورة، أو منمقة لغوياً أكثر مما ينبغي..
و اللغة مشكلة الكثير من شعراء الفصحى المعاصرين، على اعتبار ان الفصحى ليست لغتهم المحكية.. ولأن المفردة الفصيحة غير دارجة على السنتهم فإنهم يقذفون أنفسهم في أتون من المفردات، متناسين عنصراً شعرياً مهماً، ألا وهو الصورة.. في المقابل يتمتع شعراء العامية بمحكيتهم.. حيث المفردة اكثر قرباً و تناغماً مع واقعهم و عصريتهم، و هو ما حدى بأولئك المثقفين لاعتباره اعتداءً و تهديداً للغة الفصحى..
هنا لنا أن نتساءل عن السبب الذي يدعونا لعدم التمتع بمبارزة شعرية المنبت في الاساس، إبداعية الثمر في النهاية؟! أما آن لشعراء الفصحى الهبوط من ابراجهم العاجية.. حيث ان المشكلة الاساس بالنسبة لهم كون الكثير منهم لديه احساس بفوقية لغوية غير مبررة، و هي عملياً اصبحت حالة متبادلة بينهم و بين القارئ.. لذا فمن الطبيعي ان يتحول متابعو الفصيح من المتذوق العادي الى متذوق نخبوي على الأغلب..
ان البحث عن ابيات “متنبيات” جديدة، لهو ضرب من ضروب الخيال، لابد لنا ان نحصر تعابير كهذه في خانة المجاز دون التناول الفعلي لها، إذ ليس في مقدور اي شاعر او كاتب ان يصل الى مرحلة التقليد الادبي، تلك فضيلة ادبية كبيرة لن يتمتع بها كثيرون لحسن الحظ..
لكن هذا لا يمنع أن يتمتع الشاعر -شعبيا كان أم فصيح اللغة- بتقنيات الشعراء الكبار.. لنضرب مثلاً بالمتنبي و شاعر شعبي معاصر.. و هنا أود أن أشير إلى أني لا أشبه اي شاعر بالمتنبي، إذ حاشا قامة المتنبي أن يطالها شاعر.. لكنني فقط أتحدث عن تقنية قد يتبعها شعراء المواهب الكبيرة بحق.. سواءً كانوا من الشعبيين أو من شعراء الفصيح..
مثلاً تقنية أن تتضمن ابيات القصيدة فكرة جديدة في كل بيت.. أي أن يكون البيت حاوياً لفكرة كاملة دون الاعتماد على أبيات أخرى.. و هو ما يعرف عندنا ” بالدارمي “.. الفرق هنا في أن هذه الابيات ستبقى في النهاية ضمن منظومة القصيدة..
و قد اتبع المتنبي هذه التقنية في بعض قصائده :
نعد المشرفية و العوالي………………. و تقتلنا المنون بلا قتال
و نرتبط السوابق مقربات…………و ما ينجين من خبب الليالي
و من لم يعشق الدنيا قديماً……… و لكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب…….. نصيبك في منامك من خيال
يلاحظ في هذه الابيات، أن كل بيت غير معتمد على الاخر، و يمكنه أن يقرأ وحده.. لكنه في النهاية ضمن سياق قصيدة لا يخرج عن إطارها.. و هذا ما في الامر من عبقرية.. و المفاجئ هنا أن يتمتع شاعر شعبي بهذه التقنية الرائعة في قصيدة قصيرة تحوي صوراً فائقة.. يقول سمير صبيح :
سميتك محنة و عاطفة و اشواق
لهو.. تقضي وقت.. شتريد سميني
و اخذ شتلة غرامك.. يا عشق.. يا شوق ؟
بس عاقول صَدّق، ينبت بطيني
دخليني اعلة بختك، اني ما مجبور
بيدي انحت اله و اكفر بديني
و ليش أطلع شمس و أدري انت طبعك ماي
و تصعد غيم مني و توقف بعيني ؟!
بلبل و بقفص، لتحطني بالبستان
يا غصن اليميل بنار يجويني
كبرت اعلة السهر يالمرودك سجين
شلي بكحلة غرامك.. كون تعميني
العشق عندي عشق، ما عندي هيج و هيج
اتانيك.. و أجيك.. و ما تتانيني
و لو حسبة حلم طيش الشباب يعود
امجتفني الوقار و ما يخليني
و درت عيني اعلى نيتي، و شفت ظلك فات
و على طينة خيالك غمست عيني
إنه لمن المجحف في حق أذواقنا أن نغفل هكذا عبقرية شعرية بحجة أنها غير فصيحة.. و إنه لمن المجحف في حق الشعر نفسه أن نبقي المنافسة ضمن ما هو مؤطر تصنيفياً.. لقد فاجأنا شعراء الشعبي الجدد، بتفوق ملحوظ على الشعراء الرواد.. ليس عن جدارة شعرية فحسب، بل عن صقل غير مباشر للمواهب.. الامر الذي أضفى على أشعارهم مسحة خاصة موجودة في شعر الاغلبية منهم..
في الواقع ان ابن الرفاهية النسبية لستينيات القرن المنصرم ليس بأقل موهبة من ابن حصار تسعينياته.. غير أن الظروف تمكنت بجدارة من ملء دواة الأخير فيما جففت حبر غيره.. هو نفسه الشاعر، لكن ارهاصات الحياة إما تجعل منه نداً لها فتتحداه، و إما تكون طفيفة الوقع فتتركه و شأن موهبته فحسب..
شاعر الستينيات قدح في وجدانه جمال انوثي ثار له بركان شعره و كان محفزا لموهبته.. و حين كتب عن حب الوطن كانت كتابته ترفية نسبة للغليان الذي شهده الشعر الوطني مؤخراً، و هو بطبيعة الحال نتاج الواقع العراقي الصعب.. فبات شاعر الحصار، جور صدام، المقابر الجماعية و القتل على الهوية، لا يجد و هو يرزح تحت وطأة هذه الانواع المختلفة من الظلم و الدمار متسعا من عقل او قلب يدعوه لمراعاة جمال أنثى.. فاتقدت قريحته لتأتي بمقارنات غير مسبوقة تضع اسماءً عرفناها سابقاً في مضمار مختلف تلفه المعاناة و الحرمان لتتخذ وقعاً مختلفاً علينا كمتلقين.. الواقع ،الذي هو الصورة الحقة لتركيبة القصيدة سيما العصرية منها، فرش امام هؤلاء الشعراء الشباب ارضية ثرية تعلو بهامة شعرهم..
لقد دربهم واقعهم جيداً، فباتوا هم من يناوره و يطغى عليه.. فنبذ سمير صبيح عنه الغزل معتبراً إياه ترفاً لا يتناسب و مرارة واقعه.. فيقول معاتباً من عاب عليه غزله الشحيح :
تقلي اكتب عل الغزل.. عن البنات
يا ترافة تريدها بشعري تبات ؟
تقلي شعرك ليش آهات و دموع
انت حقك ما شفت خط الشروع
انت ساعة سين تعرفها شتلوع ؟
الغاية تعرفها ؟ تعرف ” الهاونات “
شعري شاف الموت ما شاف الورود
لا بنفسج لا اغاني و لا وعود
الشاف ذوله قباله يكتب عالخدود ؟
شاف بعيونه التعوق و اللي مات
بل إن الابداع الذي صاغته الحروب و دمارها، قذف بصبيح الى تأنيث أدوات الحرب و عشقها على سبيل الخطأ.. إذ على الرغم من كل شيء، يبقى شبابه يراوده عن إناث يخطرن من بعيد:
هناك عندي عيون ظلت ما تنام
حتى يبقى براحته يطير الحمام
هناك عل ” الساتر” عشت قصة غرام
جنت عاشق “راجمة” من الراجمات
ثم و كأنه يتلفت باحثاً عمّن يدشن فيها غزله فلا يجد أحداً يقول :
و شرد اغازل.. جارتي أم ثوب الوحيد ؟
تقلبه خاطر ثوبها يبين جديد !
تنتبهلي البالها بالهم شَريد ؟
خدود صفرة شلون أقول موردات ؟!
تريد اكتبلك غزل و الغي العناء
و انا عشر سنين قاضيها بحذاء
هدومي طلبة، و ذاك من ذاك الشراء
فضل مني و عايش بهاي الحياة..
و يتهكم من الحب.. و الطريف أن وسطاء تهكمه هم ذاتهم الثنائيات الشهيرة :
عدنا “ليلى” تبيع بالوقفة دهن
و “قيس” حمّال و يجد بس على بطن
من سألت “جولييت” قالت، بالسجن
“روميو” تعبان بايك” تايرات “
و خلي يكتبلك دمع عيني اليسيل
عن “بثينة” وقتي يحجيلك قليل
عدها ست أطفال صاروا من “جميل”
كلهم يجدون بالشارع حفاة..
إن لوقع هذه الكلمات فعلا ساحرا، لربما لم يكن ليكون كذلك لو أنه كتب بفصحى منمقة.. هذه العبارات و المفردات اليومية القريبة جداً من القلب بفعل الاستخدام الدائم، تقيم علاقة مباشرة و متينة بنا كمتلقين.. حري ألا تقصى و ينظر إليها بدونية لغوية..
لنا أن نفخر كعراقيين، بلهجة يمكنها أن تبلغ هذا القدر من البلاغة، لم يحدث أن طالتها لهجات قريبة أو مشابهة.. و تبقى أمنية في أن تكون المنافسة بين هذين النوعين من الشعر على أساس شعري صرف غير مائل لهذا أو لذاك من الأصناف..
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
عناصر الإبداع في الشعر العراقي
- 23 يونيو, 2015
- 53 مشاهدة









