د. خير الله سعيد
الحلقة الاولى
لم يحضَ أيُّ شاعـر شعبي عراقي باهتمام منقطع النظير كما حضي بــه الشاعر العراقي المعروف مظفـر النــواب،والمولود في عام 1930 م في أحد نواحي بغـداد/ الكرخ ” منطقة الكاظية” بالحــارة المسـماة” شريعة النـواب، على ضفاف نهـر دجلة، والأسم أخذ من عائلـتهم، التي استوطنت هذا المكان منذ أيام الأترك العثمانيين وسيطرتهم على العراق، منذ القرن الثامن عشر الميلادي أو قبله بقـلـيل.
الإنتماء السياسي للشاعر مظفر الـنواب، مذ عرف التفتح الذهني في مراحل حياته الأولى، أكسبه صدقاً إبداعياً ، وأضاف إليه خبرةً حياتية، جعلته يعرف كيفية الاستفادة من المنهج الجدلي للماركسية التي كان يتبناهـا، فكراً وممارسة، لذلك أخذت القصيدة الشعبية ، عند هذا الشاعر المشـاكس، تخضع الى رؤاه وحـده، رغـم أنـّه كان متأثراً بشكل كبير بأشعار الحــاج زايـرالدويج، الشعبية ، لاسيما المـوال منها،، الاّ أنـه أخذ منها عمق الفكرة ولم يأخذ الشكل والإسلوب، وكل من قرأ لمظفـر النـواب ، لم يحضَ عنده لأي مـوال أو أبوذية أو بقية الأصناف الشعبية المتداولة في الشعر الشعبي العراقي، وربما كانت له ، الاّ أنـّه لم ينشر منها أيّ شيء، وعلى هـذا الأساس نقول بأن مظفـر النـواب ” شـاعر القصـيدة الشعبية” بامتياز عـال، وقد أضافت الحياة السياسية إسقاطاتها على تجربتـه الشعرية بشكل ملحوظ وواضح، والمتابع لشعر النـواب يدرك أن القصيدة السياسية ” امـتيــاز نــوّابي” وهذا لايعني أن غيره من الشعراء الشعبيين في العراق لم يكتبوا القصيدة السياسية، بل هناك الكثير غيره قد كتبوا فيها، ولكن ” الامتياز النـوابي” للقصيدة السياسية يكمن في كونـه مازجا بين الإيحــاء الغـزلي والفكرة السياسية، في هذه القصيدة، إضافة الى أنـّه جعل من ” الرموز السياسية” في هذه القصيدة مسألة ” منهـج” يـدلّ عليه – إسلوباً وشخصا، بمعنى آخر ، أن إسلوب النـواب في نظم القصيدة الشعبية الغزلية يحمل في طيـّاته ” رمـزاً سياسيـّاً” بالضرورة، ومثال ذلك كثير، يمكن للقارئ أن يجده في ديوانه الأول” للـريل وحمد” أو في أغلب قصائده المتناثرة مثل ” روحي.. حمام نسوان ..يجي يوم ونرجع لهـلنا..كتله العـب كَـلـّي خايف ” أوقصيدة- البنفــــــسج” والتي سنتوقـف معها بعمق ، في هذه الدرسة،وقصائد أخرى كثيرة، مازالت متفرقـة، ولم يجمعها بـديوان ، حتى هذه اللحظة، وفق معرفتي الشخصية بــه، ولذا لايمكن لأي دارس أن يـنزع النـواب من ” الإسقاط السياسي” لأية قصيدة يكتبها، لأن الوعي العربي، والعراقي بشكل خاص، يربط اسم مظفر النـواب بشعره السياسي، وهذه المسألة- رغم إيجابيـّاتها- خلقت له إشكالات كثيرة في الوسط السياسي العربي، وأقلقت هـدوءه ومسكنه بين المنافي العربية، حتى هذه السـاعة .
مظفـر النـوّاب، ليس فقط شاعرا أو سياسيا، بل هـو مهموم بالإبــداع والحالة العراقية برمـّتها،إذ أن تجربته الطويلة- السياسية والإبـداعية- أكسبته نظرة مختلفة عن باقي الشعراء جعلته ينظر بقلق دائم الى مسارات القصيدة وتجلياتها السياسية والإجتماعية، ضمن مجالها الإبداعي، أي أن النظرة الى الشعر – عند النـوّاب- هي قلق معرفي يقض المضـاجع، ويقلق العقل ويربك الروح المبدعـة، الأمر الذي يجعل صاحب هذا القلق لأن يكون متابعاً بشكل دقيق لكل التطورات الجارية في المحيط، لاسيما المحيط الإبداعي، ولا ننسى ” بأن العـراق فيه ثلاثـة أنهـار جارية هي دجلة والفـرات، ونـهـــر الشعر” كما يقـول الأديب اللبـناني شوقي أبو شقرا، في احد تصريحاته الجميلة، ذات الأفق البعيد في مجال الأدب ، وهذا يعني أن المحيط الذي يتحرّك بـه النـواب محيطاً إبـداعيـاً عالي الضفاف، فيه المرأة الفـلاحـة البسـيطة تناغي طفلها شعراً في الهـدهـدة كي ينام بهـدوء وطمأنينة، فما بالك بالآخرين ، ممـّن عركتهم ظروف الحياة وجعلت منهم أصحاب بديهة وارتجــال في الشعر” والهوسة العراقية” مثال ساطع على هذه البيئة الشعرية في الوسط العراقي.
إذن ، درب الشعر الشعبي – بشكل خاص- لم يكن معـبـّداً بالورود كما يتصور البعض، بل هـو ميدان صعب الدخـول إليه، في لجـّة هذا الكم الهـائل من الشعراء ، لذا توجـّب على النــوّاب أن يكون في مستوى هذه اللجة والتحدّي، وهـو الشاعر الدائم التفكير على أن يبني ” قصيدتـه الخاصة” والتي تحمـل اسمه، من حيث البناء والمفردة والشكل والمضمون، والموضوع، ولذا نراه ، قــد أبــدع القصيدة الحـرّة في الشعر الشعبي العراقي،في مطلع الستينات من القرن المنصرم، تسـاوقاً مع إبـداعات السـيـّاب في الشعر الحـر، ولا أعرف هل كان ذلك ” منافسة إبداعية” أم “غيرة صحبة ” وهما كانا متعارفين ” ورفيقين حزبيين ” في الحزب الشيوعي العراقي،ولكن الأسبقية تبقى للسـيـّاب لأكثر من عـقـد من السنين.
في نظري ، أن عـامل الإبـداع عند النـواب ، هـو الذي دفعه لإبداع القصيدة الحـرّة في الشعر الشعبي العراقي ،، بغية ترك بصـمتـه الخاصة ، عبر السنين ، وهـو ماكان له ، لذلك نقـرأ لنخبة كبيرة من الشعراء الشعبيين في العـراق، من جيل الستينات والسبعينات ، قـد نحـوا منحى الـنـواب في نظم هذه القصيدة الشعبية الحـرّة، والتي تعتمـد على الإيقــاع الشعري ، بشكل خاص في أغلب مساراتها البنائية، وتعتمـد القافية في نهـايات المقاطـع الشعرية فقط، الأمر الذي وسـّع مـدى النظرة الإبـداعية عند أصحاب القصيدة النـوابية ، لاسيما وأن أغلب المتأثرين بـه هم سياسيون وماركسيون أيضاً، وأغلبهـم تمـرّد على الحزب الشيوعي العراقي، إسـوةً بمظفر النـواب الذي هـو أول من اختلف من الشعراء الشعبيين مع الحزب بعـــد السيـّـاب، كان ذلك في مطلع السبعينات، فيما كان اختلاف السياب في مطلع السـتيـنات، وتلك مفارقـة عـجـيبة عــند هـــذين المبــدعــيـن العراقــيين!!
عــودة الى قصـيدة” البـنفســج”
يقـول الـنـــواب في هـذه القصـيدة
يــــا طعـم … يـا ليـلة من ليـل البنفســج
يـاحـلم …يـمـامش بمـامـش
طـبـع كََـلـبي مـن اطـبـاعك ذهـــــب
تـرخص .. وأغـلـّيـك …… وأحـبــــّـك
* * *
آنا متـعـوّد عليـك هــواي…يا سـولة سكـتـّي
يـا طـواريــّك … من الظلـمــة تجــيــني
جـانـن ثـيـابي علي غـربـة كَــبل جـيـتك
ومـسـتاحـش مـن عيـيونــي
وَلـّـمتـني….
وعـلى المـامـش ..عـلـّمتـني..
آنـا حـب هـوايـه كَــبـلك ذ وّبــاني.
* * *
اشـلـون أوصـفــك .. وانـت كـهـرب.
وآنـا كَـمرة عيـني.. دمـعـة ليـل ظـلـمـة!
اشـلـون أوصـفـك ..!!
وانـت دفــتر
وآنـي جـلمـه………!!
يـلـّي.. مـاجـاسك فكـر بالليــل ومجاسك سـهـر
يـلـّـي بين حـواجـبـك ..غـفـوة نـهـــــــــــــــــر
يـلـّي جـرّة سمــــا بعـينـك
خــاف أفـززهــا من أكَـلـّك
آنـــا احـبـّــك
آنــا احـبـّـــك
* * *
مـامـش بمـامـش….و للـمامش………
يـمـيزان الـذهـب ….وتـغـش واحـبــّـك
وارد أكّــلـّك…
فـرنـي حـسـنـك ………… يـابنـفـسـج
وانـتَ وحـدك… دوّخـتني .. يـابنفـسج
وعـلى حـبـّك.. آنـا حـبيـّت الـذي بحـبـهم لـمتـني
يـاطعـم …. يـاليلـة من ليل البنفــسج
يـا عـذر عـذرين.. يـاشنهي واحـبـّك
*تحـليل القصيدة :
مفتتح القصيدة النــوابية، يرسـم بعناية فـائقة جـداً، ومظفر يعي معنى “مسك القارئ” في أول مفردة من القصيدة، وهـو – كما أعرفه عن قرب- قد درس علم النفس، بشكل جيـّد، إضافة الى تعلـّمه العالي لـفـن الألـقاء ، أضف الى ذلك نظرته الجمالية الى شكل الصورة الشعرية وطريقة بنائها، حيث أنـّه فـنـّـان تشكيلي مـاهـر، يمازج بهذا الفـن الساحر تشكيلات القصيدة الشعبية والفصيحة، على حـد ســواء،فالنظرة الى القصيدة- عـنده- لـوحـة فنـيـّة- مفـتاحهـا” المفردة الأولى، ويكاد هذا الأمر أن يكون ثابتاً في أغلب قصائده ” الشعبية والفصيحة” فهـو يتـأنـّق بجهـد عال في مفتتح قصائدة، ويريد أن يوصل قوة الفكرة وإيحاءاتها منذ المفردة الأولى للقصيدة، لأنه يريد في هذه المفردة أن يقرأ أحاسيس المتلقي العادي والبسيط ، قبل أن يصدر المتخصص أو الناقد حكمـه عليها، لأنه أميل بطبعه وذائقته الفنية االى عامة الشعب، ولم يلتفت على الإطلاق لمايقوله النقــّـاد في شعره، فهو هـدفه القارئ البسيط ، لأنه يكتب دون تكـلـّف لهـؤلاء، ومن هنا نفهم الإقبال الهائل لشعره عند مختلف الطبقات الإجتماعية.









