باسم غفوري
الحلقة الاولى
لعبة المحيبس.. ليست كمثل الالعاب الشعبية التي عرفها البغداديون، فهي لعبة جماهيرية، لها خصوصية نادرة في تحديد زمانها ووقتها، حيث يمارسها (البغادلة)، مرة واحدة في السنة، وحصريا في أماسي شهر رمضان المبارك، ومحترفو اللعبة لايجدون متعتها من دون أيام الشهر الفضيل، ولا تحدد مبارياتها بوقت معين، فهي تعتمد على أمكانية الفرق المتبارية في سرعة الحصول على الفوز بـ(21 نقطة) وأحيانا تنتهي المباراة قبل وقت السحور وغالبا ما تستمر بعد وقت السحور لتنتهي عند صباح اليوم الثاني، ولها مميزات أخرى،فهي لاتنحصر بتساوي عدد لاعبي الفريقين، ولاضير أن يلعب فريق مكون من100 لاعب مع خصمه الفريق الآخر، الذي يصل ربما الى150 لاعباً، والطريف في المحيبس، ان اللاعبين من مختلف الأعمار، والأكثر طرافة، تزاولها مختلف الطبقات الاجتماعية لأبناء المحلة الواحدة،
فيجلسون جنبا الى جنب، الفقير مع الغني، والكاسب مع التاجر، والأمي مع المتعلم والأكاديمي، تجمعهم المودة والحميمة في منطقتهم التي يمثلونها، وفضلا عن ذلك فهي مناسبة للتعارف والتزاور وأحيانا التصاهر اذ تستمر العلاقات بين اللاعبين وعوائلهم الى ما بعد الشهر الفضيل.
البشرة السمراء
جاسم كاظم جواد الأسود من أهالي الكاظمية، الملقب، جاسم الأسود (57 عاما) مدرس رياضة، يعد من أشهر لاعبي العراق في لعبة المحيبس، ويرأس فريق الكاظمية منذ 33 عاما، وحصد لصالح فريقه، العديد من الأوسمة والكؤوس في البطولات على مستوى الاندية الشعبية، وعرف عنه فراسته العالية في اللعبة ونباهته وهيبته في النزال، وفي سرعة حصوله على (المحبس) والفوز على فريق الخصم، تحدث جاسم عن أبرز المواقف التي مر بها في لعبة المحيبس، قائلا:
في تسعينيات القرن الماضي، تبارينا مع فريق منطقة (الكيارة) مدينة الصدر، كان عدد لاعبيهم بنحو200 لاعب وقد أحضروا من بينهم زهاء (60 لاعباً) من أصحاب البشرة السمراء (السود)، وكانت قرعة البداية لصالحهم، وبيتوا (المحبس) عند أحد اللاعبين السود، ولم أفلح في أيجاده بين أكفهم، كانت الوجوه متشابهة في لونها وتفاصيلها، حتى صارت النتيجة لصالحهم بنحو (11نقطة) حيث بات (المحبس) وتداول بينهم فقط، وقبل أن يحصلوا على نقطة أخرى، عثرت على أحدهم وقد توشح لون أنفه بلون يميل الى الأزرق الداكن، فأخذت المحبس منه، وقد بات (المحبس) عند فريقنا حتى فزنا عليهم على التوالي بـ21 نقطة.
يضيف جاسم – كان الأمر مقصودا، فهم يعرفون مسبقا أني فزت عليهم في العديد من المباريات الماضية.
يتطرق جاسم بحديثه عن أيام زمان، في لعبة (المحيبس)، وأبرز اللاعبين المعروفين فيها، بحسب ماأخبره به والده الذي مارس اللعبة وعاش حياته ليعمر قرابة 150 عاما، وأوضح:
في مطلع القرن الماضي، كان عدد لاعبي كل فريق، لايتجاوز20 لاعبا، وتطورت اللعبة ليبلغ كل فريق بنحو200 لاعب أو أكثر أحيانا، وأما المناطق المشهورة في اللعبة أيام عقد الثلاثينيات وما بعدها، فكانت (الكرخ) يمثلها المرحوم رشيد الأجلك، و(الكاظمية) يمثلها رشيد مالك، ثم جاء عزيز دوش، وفي الكرادة كان يمثلها سالم النقاش، و(باب الشيخ) عليوي أبو الثلج ثم شاكر طليعة، والفضل يمثلها لطيف ابو شوارب.
يضيف جاسم: في مطلع الثمانينيات، نظمت أندية للعبة من قبل الأتحاد الرياضي، ونسبت تسمية الفرق على أسم المناطق، ثم نظمت بطولة العراق ونسبت تسمية الفرق على أسم الأندية الرياضية، وسمي الأتحاد بالألعاب المتنوعة، وشارك فيها عموم فرق أندية بغداد والمحافظات، وكأنه أشبه تماما بنظام دوري كرة القدم، وحصلت على غالبية البطولات السنوية ممثلا عن (الكاظمية).
قوانين ومصطلحات
تعتمد اللعبة في جزء كبير منها على الإشارات ولغة العيون، لذلك فالخطأ أو الغش أو أي شيء مشابه، قد يحدث في أقل جزء من الثانية وقد يغير من نتيجة المباراة، وينبغي من جميع المشاركين والمحكمين والجمهور، الالتزام بقوانينها.
الفائز عليه جمع21 نقطة، ويسمونها21 ليلة، والليلة هي التي يبات فيها المحبس عند الفريق الذي بحوزته، والذي لا يستطيع رئيس الفريق الخصم، أو مانسميه (الريس) من إيجاده بين أكف اللاعبين- على حد قول جاسم الأسود – موضحاً – يتبارى فريقان، كل فريق يتضمن200 لاعب أو أكثر، ويجلسان وجها لوجه على بعد أمتار بينهما، وكل فريق يجلس على شكل عدة طوابير، ويسلم الخاتم، أو مايطلق عليه (المحبس) الى أحد الفريقين بحسب القرعة، مثل لعبة كرة القدم، والفريق الفائز يكون هو مبيت المحبس عنده، وعملية تبييت المحبس يقوم به الكابتن الذي يطلق عليه (الريس) فيضعه بكف واحد من بين200 من أكف اللاعبين، ويتطلب من (ريس) الفريق المقابل، أيجاد المحبس والعثور عليه في أي كفّ، فلا يكفي أن يعرفه عند من، المهم أن يقولها بوضوح، على سبيل المثال: (جيبه من اليمنى).
اذا لم يفلح الريس بالعثور على المحبس تسجل نقطة للفريق الذي بحوزته وهكذا، حتى يظفر به، وهذه النقطة لا تسجل وتسمى: كسر المحبس، أي أنه أنتقل الى الفريق الآخر الذي بدأ يسجل النقاط، وهناك مصطلحات أخرى في اللعبة، مثل، (العظم) وتعني الكف الواحدة، و(أفرز) تعني مد ذراعك وكفك المقبوضة، و(طلك) تعني أفتح كفك، و(الطير) تعني نقطة وجمعها نقاط (طيور).
أيام زمان
شاكر محمد الجميلي الملقب، شاكر طليعة (70 عاما) من أهالي باب الشيخ، ويمثل محلته في لعبة المحيبس على مدى نصف قرن من حياته، تحدث عن أيام شبابه في لعبة المحيبس التي مارسها منذ أواخر الخمسينيات مبينا: من أبرز الفرق التي كنا نتبارى معها في لعبة المحيبس، فريق (الكرخ)، الذي يصل أحيانا الى قرابة100 لاعب فضلا عن مشجعيهم، ولذلك يقوم بيت يوسف النقيب المسؤول عن الحضرة الكيلانية بتحضير كراسي الخشب التي نستعيرها من مقاهي المحلة، ونمد فرش البسط على ارضية الشارع، الممتد من باب مركز الشرطة وحتى الباب الخلفية لمرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني، ونقوم بتحضير الحلوى والفواكه ووجبات طعام السحور المتميز بنوعين، تمن الهنود واللبن الخاثر، ويحضر اللعبة عدد من وجهاء المنطقة.
اقسم بالطلاق
ينبري شاكر أبو طليعة في حديثه عن أبرز المواقف الطريفة في اللعبة منذ50 عاما، قال: كان المرحوم عليوي أبو الثلج، من أشهر لاعبي (المحيبس) في بغداد، ورئيس فريق (باب الشيخ)، وظل في كل عام من شهر رمضان يفوز على فريق الكرخ الذي يرأسه من كبار لاعبيه فيصل المعيدي، وذات مرة، أعلن عليوي، متحديا الكرخيين والكظماويين وأمام كل الحضور، صاح: اذا ماتفوزون علينا، بعد ما أعبر للكرخ. حيث كانت دعوات لعبة المحيبس، متبادلة ذهابا وأيابا بين المناطق المتبارية، وبالفعل قد وفى بوعده ولم يعبر مع فريقه، كونه أستمر بفوزه على مدى 15 عاماً متتالية وكسر كلامه عندما خسر لمرة واحدة وذهب لملاقاة الفريق الخصم وفي هذه المباراة تقدم عليوي أبو الثلج لأسترداد المحبس، وقد تمعن جيدا في وجوه اللاعبين الكرخيين، ولم يبق من لاعبي الكرخ سوى أثنين منهم، قال لاحدهما: أنت فك اليسرة. ثم قال للآخر أيضا: أنت ايضاً فك اليسرة. وفي تلك اللحظة لم يبق سوى الرجلين، كل واحد منهما قابض على كف واحدة، وبالمعنى المتعارف في اللعبة، لم يبق سوى عظمين، وكعادته مثلما تعود على نزع العرقجين من رأسه، ليقلبه ويطلب من لاعب الخصم، الذي كان يحمل المحبس بكفه، أن يضعه في داخل (عرقجينه)، ولكن عليوي في هذا النزال، راح صوبهما وصاح بصوت عال: كل واحد منكم بيده محبس، (يله طلعوه أثنيناتكم من هاي العظمين). وبالفعل كل منهما فتح كفه ووضعا المحبسين في بطن عرقجين عليوي أبو الثلج، ومن الطبيعي، يعد استخدام محبسين في اللعبة بمثابة الغش، وتبين أن عددا من وجهاء ولاعبي الكرخ قد أتفقوا مع أبن الجلبي وأبن النقيب على الغش لارغام عليوي على الخسارة، كونه ظل يفوز عليهم لمدة 15 سنة، واتفقوا معهم سرا في تلك الليلة الرمضانية على أن يكون هناك محبسان متشابهان في اللعب من دون علم عليوي الذي أثبت نباهته وفراسته العالية مثلما أثبت أنه بطل لعبة (المحيبس) وفطحلها في العراق، واستاء أبو الثلج من هذا التصرف، وعلى أثرها، أقسم أبو الثلج (بالطلاق) على ترك لعبة المحيبس على مدى مابقي من حياته، وبالفعل، قد وفى بوعده وترك اللعبة حتى وافاه الأجل.









