باسم غفوري
الحلقة الثانية والاخيرة
زواج عن طريق المحيبس
يواصل شاكر أبو طليعة حديثه: لم تكن لعبة المحيبس عل شكل دوري للفرق مثلما معمول به حاليا، كان يتفق عليها على شكل تقديم الدعوة للاستضافة، أو مايطلق عليه البغداديون (خطار) ويتم الاتفاق بين رؤساء فرق الأحياء ومن خلال الزيارات المتبادلة للفرق داخل الأحياء الشعبية، يتم التعارف وتتطور العلاقات الاجتماعية، وتسود المحبة والحميمية بين أهالي الكرخ والرصافة، لتصل الى تبادل المنافع التجارية والتصاهر والزواج أحيانا وتقديم العون للمحتاجين وتعزيز الروابط الانسانية بين الغني والفقير على حد سواء.
شاكر أبو طليعة، كان من بين الذين تزوجوا من خلال التعارف في لعبة المحيبس، حين تعرف على أحد أهالي منطقة الصدرية من أقارب عدنان الشيخلي، وقد تزوج من ابنة خال صديقه، التي أنجبت له خمسة أولاد، مثلما تعرف على الكثير من لاعبي المحيبس، من أرباب التجارة الحرة، سواء من الفرق البغدادية، مثل فرق الكرخ والكاظمية وباب الشيخ والفضل، أو فرق المحافظات التي اشتهرت فيها اللعبة وأبرزها فرق الكوفة وكربلاء والنجف والبصرة وصلاح الدين، وتبادل معهم وزملاءه في الفريق، منافع تجارية في البيع والشراء، وكل ذلك تم من خلال لعبة المحيبس.
تاريخ المحيبس
يذهب شاكر طليعة في حديثه عن نشأة لعبة المحيبس وقدمها، مبينا أن هذه اللعبة الشعبية، كانت حاضرة منذ أكثر من قرنين ونصف القرن، فقد مارسها والده الذي بلغ من العمر قرابة مائة عام وكذلك جده الذي عاش أكثر من مائة وعشرة أعوام، يوم كانت لعبة المحيبس محصورة فقط بين أحياء الكاظمية والكرخ والفضل وباب الشيخ، وفي يومها كانت الفرق تتبادل الدعوات والزيارات وتتنقل بواسطة العربات التي تجرها الخيول والحمير، يحملون الفوانيس والمشاعل اليدوية، ويذهب طليعة بحديثه عن لعبة قديمة مشابهة للمحيبس، يحضر فيها صحن نحاسي دائري، أو مايسمونه (صينية) ويحضر معها 8 أو10 فناجين قهوة فارغة، ويوضع بأحد منها محبس، وتقلب الفناجين المصطفة على محيط الصينية، ثم تتدور الصينية وتلف حول نفسها، وتبدأ اللعبة لايجاد المحبس في أحد الفناجين. يعلق شاكر طليعة عنها في أحدى مشاهداته: كانت هذه اللعبة محصورة بين الأخوة الأكراد من أهالي باب الشيخ قرب مقبرة الغزالي، في مقهى تتبارى فيه نزالات الديكة من نوع (الهراتي) ويعرف باسم (كهوة الديوجة) واشتهرت هذه اللعبة في مدن كركوك ودهوك والسليمانية.
يعتقد شاكر أن لعبة الفناجين من أصول تركمانية أو كردية وتعود الى العهد العثماني، وربما نشأت لعبة المحيبس وتطورت من خلال لعبة الفناجين، ليختبيء المحبس بأكف أحد الأشخاص من اللاعبين وليس بداخل أحد الفناجين.
تعارف ومودة
وهيب محمود وهيب، الملقب وليد السامرائي، رئيس فريق (فضوة عرب) في لعبة المحيبس، وأحد اللاعبين المعروفين، منذ طفولته كان يحضر لعبة المحيبس ويتفرج على الأجواء الليلية الصاخبة في المباريات المحفوفة بالاثارة والمتعة، وفي سبعينات القرن الماضي، صار لاعبا مشهورا، يرأس فريق (فضوة عرب)، تحدث عن تطور اللعبة وشهرتها في العقد السبعيني، موضحا:
خلال تلك الفترة، حظت لعبة المحيبس في شهر رمضان، بشعبية واسعة وانتشرت في عموم محافظات العراق، وصارت ترافقها فرق الأغاني الشعبية البغدادية، مثل البستات والمربعات، لتطرب آذان الفرق والمشجعين بعد نهاية كل فاصل من النقاط- ويضيف- عندما تبدأ المباراة، كنا لانشعر بالوقت ولما نأخذ فاصل استراحة في وقت السحور، لكي نصلي ونتسحر، نشعر بعدها، كأن اللعبة قد بدأت توا، وفي يومها صارت عموم مناطق بغداد تمارس اللعبة في الشهر الفضيل، فمثلا في منطقة (الكاظمية)، يرأسها اللاعب المعروف، الفطحل جاسم الأسود، وفي الفضل من اللاعبين المشهورين، لطيف أبو شوارب وخالد عليوي، وأما فريق الكرادة، فيمثلها حجي سهيل وصار من بعده الحاج فاضل، والأعظمية يمثلها أبو داوود واللاعب المتمكن صلاح أبو سيف، والشعلة يمثلها كريم الخطاط، والدورة يمثلها مهدي الهندي.
تحدث السامرائي عن مواصفات رئيس الفريق مبينا: من أهم مايتميز به رئيس الفريق، أن يكون على درجة عالية من الفراسة والفطنة والصبر، وأيضاً ضرورة أن يراقب بعين ماهرة وثاقبة كل تحركات وايماءات فريق الخصم، وصاحب شخصية رصينة، يهابه الحضور، ويمتلك الحاسة السادسة والجرأة في اتخاذ القرار وحسم الموقف لصالحه، خصوصا في آخر النزال.
المربعات والمحيبس
الفنان عدنان عباس غيدان، مطرب البستات والمربع البغدادي(65عاما) من اهالي محلة الصدرية، عاصر العديد من رواد المربع البغدادي ابرزهم محمود الحمامجي، وعباس خلف، ثم خلفهم، فاضل رشيد وعكلة علي وزيدان الدليمي والمرحوم صالح العزاوي الذي ظل يتغنى بالمربع والبستات البغدادية مع فرق المحيبس على مدى ستين عاما .
تحدث عدنان عن علاقة المحيبس بالمربع البغدادي موضحا: لاشك في أن أصل اللعبة مبني على الفرح والاحتفال، وهذا يتجسد بعد كل نقطة تسجل، فالفريق الذي يفوز، يبدأ مطرب أو أكثر من ضمن المشاركين أو الجمهور، بالغناء ويشجع الفريق، وعلى أثرها برز العديد من المطربين في بغداد، عرفوا بأداء المربعات البغدادية المشهورة و(البستة)، فيما اشتهر البصراويون بـ(الخشابة) و(الصفكة) المعروفة بلونها الخليجي.
وقد تطول الأغاني والرقص لعدة دقائق، وهذا الوقت مرتبط تماما باللعبة، فالأغاني تريح الأعصاب وتساعد اللاعبين على التقاط الأنفاس بعد أن خابت آمالهم، وقلت فرص حصول ريس الخصم على المحبس، بالرغم من هيبته وسمعته التي تربك المقابل وأسلوبه المحترف في التأثير على أعصاب اللاعبين وخاصة حامل المحبس لكي يكتشفه وينتزعه منه فيما بعد.
وأوضح الفنان غيدان.. المربع البغدادي قديم، قد يصل الى200 عام تقريبا وقد عرفه البغداديون فقط، من أهالي الكرخ والرصافة، وفي بدايته كانت دعوات فرقة المربع محصورة على ختان الأطفال، أو مايسمونه البغادلة (الطهور) ونحضر في وقت العصر مع أحد الحلاقين ونتجمهر في الباحة الخارجية داخل (حوش) والد الطفل، أو الطفلين، ويحضر طفل ثالث من أبناء المحلة، من العوائل الفقيرة، ليتم طهوره (ببلاش) دون أية تكلفة مادية، وأذا لم يوجد طفل فقير يطهر مع الأثنين، يذبح ديكا ويهدى لأحد العوائل الفقيرة، ويلبس الأطفال (الدشاديش) بعد الحلاقة وتبدأ النسوة بالزغاريد (والهلاهل) ونثر الحلوى من (الملبس والواهلية) على أنغام البستات والمربع البغدادي وتستمر حتى المساء، ثم يتم ختان الأطفال صباح اليوم الثاني، على أنغام فرقة الجوق الموسيقي ويتم دعوة جميع أبناء المحلة على حضور مأدبة وجبة طعام الغداء، المكونة من (الدولمة وتمن الهنود-البرياني- مع اللبن الخاثر).
تحفظ كل طفل ياربي وتخليه.. بأفراح ومسرة للعمر يكضيه.









