ثقافة شعبية

(القصخون).. خبرة ودهاء

عبدالكريم الوائلي

 

يزخر تراثنا العربي بالكثير من اﻷساطير والحكايات والمغامرات الشعبية والتي تروى لنا عن بطولات وابطال حكيت حول حياتهم الاساطير والقصص وكان لهذه الحكايات رواتها وناقلوها والمتحدثون بها امثال القصخون (القصة خون) والتي اصبحت من المأثورات الشعبية التي تنقل من جيل الى اخر وكلمة القصة خون هي لفظة فارسية معناها ﻗارئ القصة وكان الفرس هم اول من ابتدعوا هذا الفن في مجتمعاتهم العامة . فقد كان اﻷﺑاطرة والشاهات يولون  هذه الناحية من نواحي الحياة العامة شطرا اساسيا في اعداد سياساتهم وادارة شؤون شعوبهم لغرض الهاء الناس بها عن التطلع الى مايجري وراء الكواليس وعما كانوا يحوكون ويدبرون ثم انتقلت هذه العادة الى الامصار الاخرى .
وان هذا الفن القصصي انتقل الينا من الدول المجاورة في الماضي البعيد ولم يتطرق اليه الكثير من الكتاب فاصبح فيه من الغموض بحيث لم تجد مصدرا واحدا يصح الاعتماد عليه في تدوين هذا الجانب الادبي من تاريخنا الفكري سوى بعض الاشارات العابرة والغريب ان هذه الاشارات لا تخلو من التعرض بالقصاصين  وشتمهم او ذمهم وحتى الكثير من العلماء والمفكرين ينظرون اليهم نظرة الريبة والحذر فكانوا لايعتمدون عليهم بنقل الروايات والاخبار ويصفونهم بالكذب ويتهمونهم بالكذب والدس والتضليل ما كان ذلك مدعاة الى النفور من مجتمعاتهم خصوصا في العهود المتقدمة من العصر العباسي فقد اشتدت الحملات عليهم ما جعلهم ينزوون مختفين عن الاعين وبمرور الايام والسنين تطور بهم الامر الى ان يكونوا  من وسائل اللهو والتسلية لدى سائر طبقات المجتمع البغدادي . وقد عرف بغداديو  الجيل الماضي القصة خون في مقاهي الجوبة والفضل هوباب الشيخ والدهانة في الرصافة ومقاهي الفحامة وسوق عجمي والست نفيسة والشيخ صندل في جانب الكرخ وكان اشهر  المقاهي واكثرها صيتا قهوة محلة خان اللاوند في الفضل حيث كانت هذه المقاهي تمثل العهد البغدادي القديم بطابعة السعيد الضاحك وبعادات اهله وشمائلهم الكريمة وكان في ذلك الزمان القصة خون يلف على رأسه (جراوية) يتعمد ان يجعلها في لفتين او ثلاث ايهاما للفتوات بفتوته وفروسيته ويجلس متربعا على تخته يلوح بسيفه الخشبي ويتحدث عن حكايات (عنتروعبلة) ومغامرات اخيه شيبوب ومغامرات (ابوزيد الهلالي)وسواهما من ابطال العرب الذين حيكت حول حياتهم الاساطير وكان القصة خون يتميز بامكانات وحركات بحيث يستطيع التلاعب بادائه الانشادي واشاراته المفتعلة باحاسيس ابناء المحلة ويجعلهم ينقسمون الى فريقين متنازعين فيما بينهم  احدهم  من فريق عنتر والاخر من فريق عمه وهكذا .ومن الطريف ماقيل عنهم ان (القصة خون)كان يتعمد بان لاينهي القصة والحكايات كاملة في جلسة واحدة وانما يؤجل النصف الباقي الى جلسة اخرى وذلك لزيادة تشويق وتلهف المتلقين عليه.
واصبح القصة خون في بعض الفترات من ذلك الزمان له مكانة مرموقة بين الفتوات وغيرهم من الطبقات الشعبية وكانت الحياة البغدادية تميل كثيرا الى تلك الحالات المسلية في معظم جوانب الحياة البغدادية الشعبية والتي اصبحت اليوم تراثا خالدا في ذاكرة البغداديين.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان