قراءة : داود سلمان الشويلي
* وحشتيني ، وحشتيني،
عمر واتعدت ايامه وجيتيني،
اجيتيني على غفلة وندهتيني
مثل تايه لكه دربه لكيتيني
بعد ما ضاعت سنيني
لكيتيني على تراب العمر لَمّن
جِزَ وكتي ، و لمّن ذِبلَت رياحيني
اجيتيني وانا احلم يناسيني
اجيتي و الصبا موَذّح
و لا واحد يواسيني
تراني شاعر ملوّع
تعالي لو ذكرتيني
زماني العَرَّفج بيَّ وعرفتيني
بعد ما عتكت ايامي لكيتيني
مثل طير اهتده إلوِكره
اهتديتي لي بعد غربه وبعد هجره
اهتديتي لي وانا مسودن كضت عمري سواديني
اهتديتي للهوه ، وإذعنتِ لامره
وهذاك آنه لَمَن جيتي
ويا محله حنين الحلوه للعشره
” تمايزتي ” بقاياي واشفقتِ على ما فاتني منها لتغريني
فأسلمتِ لسلطاني
وفي عينيك الحاحٌ ترى ماذا
وراء الناس في هيكلها الطيني؟
وهذا المنزوي خلف حناياه؟
اذا حنّ فلا طهري يزكيه
ولا رجس الشياطين
وقد جئتِ كمن يبحث عن شيء
توارى في دجى الماضي
وفي اشلاء سبعيني
وها قد مرت الايام لا انتِ
ولا صوتك يأتيني
فأين الالق الساجي؟
وتلك الاعين الوسنى؟ ——- الخ.
طلب مني مرة شاعر الفصيح الراحل رشيد مجيد في النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي ان اكتب مقدمة لقصيدته (اسم الله) ذات النمط الشعري الجديد (لغة ، ورؤى ، وبناء).
كانت القصيدة تنتقل فيها اللغة – اذا جاز لنا ان نسمي اللهجة المحكية لغة – و (الرؤى) بين مقطع واخر ، ودار نقاش طويل بيني وبينه ، كنت من مشجعيه في ابداع مثل هذه النصوص ، وكان هو مهووسا بها ، واكبر هم كان يشغله ان لا يرى مشروعه هذا النور قبل وفاته وعدته ان اكتب تلك المقدمة ومما كتبت الاتي:
((يستدعي ” النوع الجديد ” الذي بدأ يكتبه الشاعر رشيد مجيد اكثر من وقفة ، ويطرح اكثر من سؤال .
فالشاعر رشيد مجيد ، له تجربة طويلة تمتد على مساحة خمسين عاما من الشعر الفصيح، وله دواوين ستة مطبوعة ، وضعف العدد مخطوطا .
اذكر انه سألني قبل اكثر من اربعة اشهر عن كيفية تدوين (الشعر العامي) … وقد دار حديث بيننا بهذا الخصوص ، وقتها سألته ان كان يزمع كتابة (القصيدة العامية) فأجابني قائلا : انتظر .
وانتظرت اياما ، حتى فاجأني بقصيدة تجمع بين اللغة الفصحى ، وبين اللهجة العامية التي هي الاخرى تتصف بقربها من الفصحى والتي اثير حولها قبل اكثر من عقدين من السنين نقاش طويل ، وسميت وقتها بـ (اللغة الثالثة) ، او لغة الصحافة ، و لغة المثقفين ، والتي تتصف ببعدها عن حوشي الكلام العامي ، واعجمية اللفظة ، والمفردة ، وتركيبها (النحوي والصرفي) القريب من التركيب اللغوي الفصيح .
انه (نوع جديد) يختلف عن النوع الذي سمي بـ (الشعر الملمع) ، اذ ان هذا النوع يستدعي عمود الشعر الذي يبدأ صدر بيته فصيحا ، فيما يكون عجزه باللهجة العامية ،او العكس ، ومثل هذا الشعر له غاية هي (الهزل) خاصة.
ان قصيدة رشيد مجيد (الجديدة) والتي يحاول نشر بعض نماذجها على اساس انه اول من كتبها – كما يدعي – ستبقى مجالا لابداء الرأي حولها … ونحن في هذه السطور اذ نقف عند هذا الحد ، فأننا نطالب الزملاء الشعراء والنقاد والمهتمين بالادب الى دراسة هذه (القصيدة الجديدة) وابداء الرأي والملاحظة حولها)) .
وظل الشاعر يكتب هذا النوع من الشعر ، حتى اصبح له منه اكثر من ديوان مخطوط
يقول الشاعر رشيد مجيد في قصيدته “اسم الله ، اسم الله” :
*( اسم الله … اسم الله )
كلمة خوف تنسل الى شفة امرأة
يتملكها الاشفاق ، فلا تتذكر ((غير الله))(15)
من غير استئذان خرجت ،
وبغير استئذان دخلت ،
قلبا اغلقتُ منافذه ،
تلك الكلمة ، ما اعذبها؟
وهي تطل على شفتيك .. ((اسم الله ، اسم الله))
يا محلاها من تتخطى ابخوف ورغبه
يا محلاها بياقوت الفم ،
خمره بكاس القبله العذبه ،
يا محلاها ، ويا مِسعَد ذاكَ اليشربها ،
ويطفي النار المستعره ابكلبه وملتهبه ،
يمته اشوفج يمته؟ واشوف الدنيا ابعينج؟
سألته مرة عن مشروعه هذا ، فأجاب قائلا : (( لا ادري هل يحق لي ان اسميه مشروعا ؟او انها محاولة قد يكتب لها البقاء ، او انها تموت ساعة ميلادها ؟ ومع هذا ، فهي لا تخلو من انها محاولة كبقية المحاولات التي استطاعت ان تقف على قدميها رغم كل المعوقات وهذا ما اتمناه ، واذا لم يتحقق ذلك ، فهي على الاقل لا تخلو عن كونها محاولة ، وانها ستبقى من خصوصيات الشاعر ، ومع الايام فقد تجد لها منفذا لتطل به على القراء، علما بأن للادب الشعبي ، كما للادب العربي قراؤه ، وقد يلتقي القارئان مع هذا النموذج من الشعر )) .
ومن شواهد الشعر الملمع المعروف ، قصيدة لم يعرف قائلها :
يا أخوتي قد دهتني اليوم كارثة….. ..ارجوكم اتسمعون واحچـي القضيّه
عيناي قد نظرت حوراء سافرةً…………. تشبه البدر التام من يشع ضيّه
وقد رمتني بسهم اللحظ عامدةً…………..اوصابتني يلخوّان ابسهم المنيّه
حتى وقعت جريحاً ليس بي رمقٌ………وآشتفت وكحه العين متشمته بيّه
قالت تمازحني لا تدّعي كذباً…………… حيله اوچـذب دعواك كلّـك أذيّه
قلت اتقي اللـه ان الجرح في كبدي……..لو متت گـومي اتريد منّـچ الديّه
ان جاءك الموت لا تأتي لمظلمتي… تحچـي الصدگ وتخاف وكت الوصيّه
وهكذا تستمر القصيدة ، فالصدر يكتب باللغة الفصحى ، فيما العجز يكتب باللهجة العامية.
في وقتنا الحاضر ، يعود بنا شاعر الفصحى والعامية الدكتور مسلم الطعان وهو يقدم مجموعة من القصائد بهذا اللون الشعري الذي اول من كتب به شاعر الفصيح المقتدر المرحوم رشيد مجيد وهو صديق حميم لشاعرنا الطعان ، وحتما انه سمع منه هذا الشعر .
تعتمد تجربة الشاعر رشيد مجيد والشاعر مسلم الطعان على مزاوجة اللغة الفصحى ، واللهجة العامية ، فيما لو افترضنا ان العامية تعد لغة ثانية، وهذه المزاوجة في اللغة تكسر الرتابة التي تصنعها اللغة الواحدة في القصيدة ، وايضا تمنح اللهجة العامية طراوة وطلاوة الافكار التي تقدمها ، وعوالمها الواسعة ، وكذلك فضاء المخيال الواسع الذي يتحرك فيه الشاعر العامي ليصوغ قصيدته، على العكس من اللغة الفصحى التي في الكثير من القصائد تكون عصية على ذائقة الشاعر ومخياله الواسع الخصب ، وكذلك المتلقي.
ففي قصيدة” أرتمي في صمتِكَ الأبهى….!” للشاعر مسلم الطعان ، تنكسر رتابة اللغة بتحويل وصف المشاعر بين الفصحى ، الى اللهجة العامية ، فيحس المتلقي بهذا التحويل والتغير من خلال تفجير ما في مخيال الشاعر من مشاعر واحاسيس ، فتاخذ مدى رحبا ، فيكون المخيال عند ذاك يعيش حالة الحرية من ضوابط اللغة الفصحى ، فيقدم صورا ورؤى وخيالات شعرية كثيرة وواسعة المدى.
* أيُّها العالقُ كالحزنِ
على هدبِ المحالْ
أرتمي في صمتِكَ الأبهى
ويدهشُني السؤالْ
أيُّ أرض ٍ رتّلتْ أنفاسَها
حيثما فجّرتَ نهراً في الرمالْ؟!
يا لحنْ نازلْ على اشفافْ الخيالْ
غرّدْ ابروحي محبّه
او كُبَرْ شجره من الجمالْ….
أرتمي في صمتِكَ الأبهى
ويدهشُني السؤالْ…. الخ.
ان تجربة الشاعر المرحوم رشيد مجيد في كتابة قصيدة تجمع اللغتين ، الفصحى والعامية ، قد وجدت صداها عند شاعر الفصحى والعامية الدكتور مسلم الطعان وذلك في كتابة قصائد تجمع هاتين اللغتين معا ، لان اللغة تحمل الافكار والرؤى والتصورات ،حيث هي وسيلة للتواصل ، ولعكس الافكار وايصالها بشكلها الصحيح ، اللغة هي اداة المعرفة ” الشعرية ” التي تقدمها القصيدة المكتوبة بهذا الاسلوب ، وقصيدة الطعان مليئة بهذ الافكار ، والرؤى ، والتصورات.
ان هذه القصيدة ستبقى مجالا لابداء الرأي حولها … ونحن في هذه السطور نطالب الزملاء الشعراء والنقاد والمهتمين بالادب الى دراسة هذه (القصيدة الجديدة) وابداء الرأي والملاحظة حولها.









