لقد كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الأيام قسوة ومرارة وخطورة على الاسلام والمسلمين، إذ أعقبت وفاته ظروف جعلت تجربته الإسلامية في مهب القدر، وفي رحبة المؤامرات التي أتت عليها بعد برهة من الزمن. واليوم الذي اغتيل فيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان اليوم الذي قضي على أمل كبير في إعادة خط تلك التجربة الصحيحة، هذا الأمل الذي كان لا يزال يعيش في نفوس المسلمين الواعين متجسدا في شخص هذا الرجل العظيم، الذي عاش منذ اللحظة الأولى هموم الدعوة وآلامها و اكتوى بنارها و شارك في بنائها لبنة لبنة، وأقام صرحها مع قائده وأستاذه (صلى الله عليه وآله).
علي لعيبي
لقد كان الإمام علي عليه السلام يعبر عن كل هذه المراحل بكل همومها ومشاكلها وآلامها، هذا الرجل هو الذي كان يمثل هذا الأمل الوحيد الذي بقي للمسلمين الواعين في أن تسترجع التجربة أسلوبها النبوي المستقيم. حيث أن الانحراف في أعماق هذه التجربة كان قد طغى وتجبر واتسع بحيث لم يكن هناك أي أمل في أن يقهر هذا الانحراف اللهم إلا على يد رجل واحد كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ولهذا كانت حادثة اغتيال هذا الإمام العظيم. حينما خر صريعا في مثل هذه الليلة تقويضاً حقيقياً لآخر أمل حقيقي في قيام مجتمع إسلامي صحيح على وجه الأرض إلى يوم غير معلوم، وأجل غير محدود.
كان هذا الاغتيال المشؤوم عقيب حكم مارسه الإمام (عليه السلام) طيلة أربع أو خمس سنوات تقريباً حيث بدأ منذ اللحظة الأولى لتسلم زمام الحكم عقلية التغيير الحقيقية في كيان هذه التجربة المنحرفة وواصل سعيه في سبيل إنجاح عملية التغيير، وخر صريعاً بالمسجد وهو في قمة هذه المحاولة أو في آخر محاولة إنجاح عملية التغيير وتصفية الانحراف الذي كان قد ترسخ في جسم المجتمع الإسلامي متمثلاً في معسكر منفصل عن الدولة الإسلامية الأم. والظاهرة الواضحة في هذه الأربع أو الخمس سنوات التي مارس فيها الأمام (عليه السلام) عملية الحكم هي وإلى أن خر صريعاً في سبيل إقامة عدل الله على الأرض، كان غير مستعد بأي شكل من الأشكال وفي أي صيغة من الصيغ لتقبل أنصاف الحلول بالنسبة إلى تصفية هذا الانحراف أو لتقبل أي معنى من معاني المساومة أو المعاملة على حساب هذه الأمة التي كان يرى بكل حرقة وألم إنها تهدر كرامتها وتباع بأرخص ثمن.
النيات المبيتة
كان معاوية بن أبي سفيان ينتظر الفرصة الذهبية التي يتيحها مقتل عثمان بن عفان، هذه الفرصة الذهبية التي تعطيه سلاحاً غير منتظر يمكن أن يمسكه ويدخل به إلى الميدان.. ولهذا تباطأ عن نصرة عثمان بن عفان، وكان عثمان يستنصره ويستصرخه ويؤكد له انه يعيش لحظات الخطر ولكن معاوية كان يتلكأ في إنقاذه وكان معاوية ـ على أقل تقدير ـ قادراً على أن يؤخر هذا المصير المحتوم بعثمان إلى مدة أطول لو انه وقف موقفا ايجابياً حقيقياً في نصرة عثمان بن عفان، إلا انه تلكأ وتلعثم وكان يخطط لكي يبقى هذا التيار كاسحاً ولكي يخرج عثمان بن عفان على يد المسلمين ميتاً، ثم بعد هذا لكي يأتي ويمسك بزمام هذا السلاح ولكي يقول أنا ابن عم الخليفة المقتول ومن المعلوم أن معاوية سوف لن يتاح له في كل يوم، أن يكون ابن عم الخليفة المقتول، فهذه الفرصة الذهبية التي كانت على مستوى الأطماع والآمال الأموية لنهب كل مكاسب الإسلام. هذه الفرصة الذهبية لم يكن من المظنون أن معاوية سوف يغيرها عن طريق الاكتفاء بولاية الشام، ولاية الشام كانت مرحلة أما منذ قتل عثمان بدأ معاوية في نهب كل الوجود الإسلامي، وتزعم كل هذا الوجود وكان هذا يعني أن تعيينه أو إبقاءه والياً على الشام سوف لن يكون على مستوى أطماعه في المرحلة الأولى التي بدأت بمقتل عثمان بن عفان من مراحل المؤامرة الأموية على الإسلام.
أحداث ماقبل الاغتيال
تمرّدت فئة من الخوارج الذين خرجوا على إمام زمانهم الإمام علي (عليه السلام)، ولقد أعذرلهم الإمام (عليه السلام) بالنصح والوعظ، لكنّهم ازدادوا تمرّداً وغيّاً (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله…) فشكّلوا قوّة عسكرية، واستباحوا دم أميرالمؤمنين (عليه السلام)، بل دماء المنضوين تحت لوائه .وتهيأوا لقتال جيش الإمام (عليه السلام)، فأخذ الإمام (عليه السلام) بقتالهم حتى قضى عليهم في معركة النهروان. واجتمع بعد هذه المعركة جماعة من المنهزمين من الخوارج المنحرفين، وكان هذا الاجتماع بمكة المكرمة، وبالاتصال والتشاور مع الطاغية معاوية بن أبي سفيان، حيث عيّن لهم أحدهم هو عبدالرحمن بن ملجم المرادي، وتشاور هؤلاء فيما بينهم فأغروا ابن ملجم بشتى الوسائل، مضافاً الى ما له من حقد على آل البيت (عليهم السلام). وقد جهّزوه بوسائل القتل وخطة الهجوم ورفقة من يحرسه، وفي فجر التاسع عشر من شهر رمضان المبارك (سنة 40هـ) اغتال ابن ملجم المرادي الوغد، أميرالمؤمنين الامام علي (عليه السلام)، حيث ضربه بضربة بالسيف وقت صلاة نافلة الفجر في مسجد الكوفة الشريف، في الوقت الذي كانت فيه الاُمة الإسلامية تتطلع فيه الى قرب النصر على البغاة الطغاة في معسكر معاوية في الشام.
لقد عانى أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) من تلك الضربة المشؤومة المسمومة ثلاثة أيام بلياليها، وقد نصّب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبعد عهده من رسول الله (صلى الله عليه وآله) للحسن ابنه (عليه السلام)، ولقد مضت هذه الأيام الثلاثة الأليمة على أميرالمؤمنين كعادته ودأبه في ذكر الله والرضى بقضائه والتسليم لحكمته. وكان يوصي بوصاياه الى ولده والآخرين, ويدعوهم لإقامة حدود الله تعالى، محذّراً من النكوص عن الرسالة الإسلامية، وعدم التراجع عن نصرتها، وهذا بعض وصيّته آنفة الذكر: (كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، اُوصيكم وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم… الله الله في الأيتام… الله الله في جيرانكم… الله الله في القرآن… الله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم، الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم… انظر إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثّلوا بالرجل فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور).
لقد اغتيل إمام المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انقضى عمره الذي كان خالصا لله وللدين ولنشره والحفاظ عليه، ماذا حصّل الإمام علي (عليه السلام) من كل التضحيات التي قدمها؟ ماذا حصل غير الحرمان الطويل الطويل، غير الإقصاء عن حقه الطبيعي بقطع النظر عن نص أو تعيين من الله سبحانه وتعالى؟ كان حقه الطبيعي أن يحكم بعد أن يموت النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه الشخص الثاني عطاء للدعوة وتضحية في سبيلها. أُقصي من حقه الطبيعي قاسى ألوان الحرمان أنكرت عليه كل امتيازاته. إذن فالامام علي (عليه السلام) حينما واجهه عبد الرحمن بن ملجم بتلك الضربة القاتلة على رأسه الشريف، كان ماضيه كله ماضي حرمان وألم وخسارة لم يكن قد حصل على شيء منه، لكن الأشخاص الذي حصلوا على شيء عظيم من هذا البناء هم أولئك الذي لم يسهموا في هذا البناء هم أولئك الذي كانوا على استعداد دائم للتنازل في أية لحظة من اللحظات أولئك حصلوا على مكاسب عريضة من هذا البناء. أما هذا الإمام الممتحن الذي لم يفر لحظة ولم يتلكأ في أي آن، الذي لم يتلعثم في قول أو عمل، هذا الإمام العظيم لم يحصل على أي مكسب من هذا البناء بأي شكل من الأشكال. إن هذه الحادثة يمكن أن تفجر قلب الإنسان السوي، لما حدث لهذا الطود الشامخ الذي بنى فغير الدنيا ثم لم يستفد من هذا التغيير، وهو الذي كان ينظر إلى المستقبل بعين الغيب. فقد كان يرى بعين الغيب إن عدوه اللدود سوف يطأ منبره، سوف يطأ مسجده، سوف ينتهك كل الحرمات والكرامات التي ضحى وجاهد في سبيلها سوف يستقل بهذه المنابر التي شيدت بجهاده وجهوده ودمه، سوف يستغلها في لعنه وسبه عشرات السنين، هو الذي كان يقول لبعض الخلّص من أصحابه انه سوف يعرض عليكم سبي ولعني والبراءة مني أما السب فسبوني وأما البراءة مني فلا تتبرأوا مني.
إذن..! فهو لم يكن يرى في المستقبل نوعاً من التكذيب يتدارك به هذا الحرمان، الأجيال التي سوف تأتي بعد أن يفارق الدنيا، كانت ضحية مؤامرة أموية حاولت قدر ماتستطيع أن تجعل الأمة تائهة لا تدرك دور الإمام علي (عليه السلام) في بناء الإسلام. هذا هو حرمان الماضي وهذا هو حرمان المستقبل. وبالرغم من كل هذا قال (عليه السلام): فزت ورب الكعبة، حينما أدرك إنها اللحظة الأخيرة وانه انتهى خط جهاده وهو في قمة جهاده وانتهى خط محنته وهو في قمة صلاته وعبادته قال: فزت ورب الكعبة، لأنه لم يكن إنسان الدنيا ولو كان إنسان الدنيا لكان أتعس إنسان على الإطلاق.. لو كان إنسان الدنيا لكان قلبه يتفجر ألماً وكان قلبه ينفجر حسرة.. لو كان إنسان الدنيا فسوف يندم ندماً لا ينفعه معه شيء، لأنه بنى شيئاً انقلب عليه ليحطمه أي شيء يمكن أن ينفع هذا الشخص؟ إذا فرضنا أن شخصاً أراد أن يربي شخصاً آخر لكي يخدمه فلما ربى ذاك الشخص ونمى واكتمل رشده جاء ليقتله ماذا ينفع هذا الشخص ندمه غير أن يموت.
هذا الرجل العظيم قال: فزت ورب الكعبة، كان اسعد إنسان ولم يكن أشقى إنسان لأنه كان يعيش لهدفه، ولم يكن يعيش للدنيا، ولم يكن يعيش لمكاسبه ولم يتردد لحظة وهو في قمة هذه المآسي والمحن، في صحة ماضيه، وفي صحة حاضره، وفي انه أدى دوره الذي كان يجب عليه. هذه هي العبرة التي يجب أن نأخذها من حياة الإمام علي عليه السلام ومن سيرة حياته ومن جرحه ومن وفاته. فسلام على رجل الحق والعدل يوم ولد في الكعبة ويوم استشهد في المحراب ويوم يبعث حيّاً على الحوض.





_1617644865.jpg)



