داود سلمان الشويلي
الكثير من أدبنا العامي الشعبي مجهول القائل ، وينشأ على لسان النساء بمرور الوقت ، ثم يصبح ككرة الثلج ، فيكبر شيئا فشيئا بعد ان يكون على شكل بيت شعري ، او بيت ابوذية ، او بيت دارمي ، حتى يصل الى ان يكون قصيدة طويلة .
وتقال هذه القصيدة على لسان المرأة ، لان المرأة تحتاج الى ان تغني على طفلها لتنومه ، او ان تنفس عن كبتها لاسباب كثيرة ، فاما ان تؤلف هي هذه الاشعار ، او انها قد تعلمتها من امها وهي صغيرة ، فتكون ترانيم، او نعيا.
ومن فترة الصغر نتذكر اغاني امهاتنا وهن يلولين علينا لكي ننام في حضنهن الدافئ الحنون.
دللول يا الولد يبني دللول
عدوك عليل وساكن الجول
في هذه السطور القصيرة سنتحدث عن بيت شعري عامي مشهور يحمل من البلاغة قدرا كبيرا ، ومن الشعرية العالية الحصة الاوفر في ان يقف بمستوى ، او ارقى بكثير من الشعر الفصيح في تنويم او ترقيص الاطفال.
هذا البيت ، واثناء انتقاله من فم الى اخر ، ومن فكر الى اخر ، اصبح ككرة الثلج ، فنمى واصبح قصيدة طويلة تحفظها الام لتغني على طفلها لتنومه ، وبنفس الوقت لتنفس عن حاجاتها النسوية ، او قضاياها المأساوية مع الرجل الزوج ، او مع حضها العاثر مع عائلة زوجها.
هب الهوى وافتكت الباب
تره حسبالي اجونه احباب
اثاري الهوى والباب جذاب
يخيل للمرأة التي تهدهد طفلها ان باب الغرفة ، او الدار ، قد انفتح ودخل منه احباب قلبها ( زوجها الغائب مثلا ) الا ان من فتح الباب هو ريح عاتية ، فلا كانت الريح ( الهواء ) صادقة كما ارادت ، ولا كان الباب عند فتحه ايضا صادقا في دخول الاحباب الذين ترجو دخولهم عليها.
ثم تستمر المرأة التي تغني الى طفلها بسرد القصيدة التي تشكو حالها ، وتعلمه انها لا تريد منه شيئا سوى ان يكبر ويصبح رجلا ، ويكون ( اريدك تره هيبه وناموس ) ، وان ياخذ بيديها عند نكبات وملمات الدهر الخؤون.
وهي عندما تذكر ذلك فان لفظة ( يمه = يا اماه ) تسبق كل بيت شعري دلالة على ما تكنه الام من حب لطفلها ، وبث شعور الحزن الذي تشعر به والطفل في حضنها ، والزوج غائب ، بعذر او دون عذر ، او ان الدهر اصابها بنكباته وملماته .
ان لفظة ” اثاري ” التي بمعنى حسب ، واظن ،تحمل شحنة من المشاعر الجياشة في ” قلب ” الام ، حيث ظهر لها بعد هذا التلهف كذب الهواء ، والباب المفتوحة .
ان جمع الهواء ” الريح ” والباب في صفة واحدة هي ” الكذب ” هو البلاغة التي ما بعدها بلاغة ، حيث لخصت كل مشاعر الام بخسرانها من عدم مجيء الاحباب .
والقصيدة هذه تغيرها الام حسب الظروف ان كانت تنيم طفلها ، او كانت تنعى حبيبا غاليا فارقها لسبب ما كالموت ، فاذا ارادت ان تنيم طفلها تذكر الاهل بالخير، و انهم شجعان ، واهل جود وكرم ، لهذا تريد من ابنها ان يكون ذا هيبة وناموس ، كقولها :
يابني أنا لا اريد من جِدرَك غموس
ولاريد من جيبك فلوس
رِدْتَك أنا هَيبة وناموس
او :
دنام يبني وانا اهديلك
يمه والعافية من الله تجيلك
و رغم ذلك لا تنسى مأساتها في بيت عائلة زوجها ، فتقول:
أخدمت شينات الجهايم
لجل خاطر البلمهد نايم
او :
لجل خاطرك فضيت خلكي
أحملت الشتيمه وسبت أهلي
وان ارادت النعي ، وليس الترقيص ، تنقلب نبرة صوتها الى نبرة حزينة مؤلمة فتقول :
يمه يحقلي لاصير دلي
ترى اطلق الدنيا وولي
يمه على ظليمتي من دون حلي
او:
يابني يالولد يابني يا يمه
يمه ترى ابني واريد رباي منه
يمه جبتيني للضيم يا حبيّبه يا يمه
او :
جنت من تبجي الوليلك دللول
اه يا ابني وحياتي وشمعة البيت
اجو كلهم الي بس انت ما جيت
شلون اصبر على فراقك يمدلول
او :
ياوليدي بغيابك ما شفت نوم
انا فراشي القهر وغطاي الهموم
من يوم الرحت والقلب ما يلوم
علية غيبتك ماريدها اطول
ان التلاعب بالاغنية من قبل الام بين ان تكون اغنية للنعي ، او اغنية للترقيص ، جعلها تبدع اقوالا بلاغية ، حية ، تنبض بالحياة ، وترسم صورا جميلة واخاذة بلب المتلقي ، صور تدهش هذا المتلقي الذي يعرف امية هذه الام ، الا ان حبها وحنانها لابنها دفعاها لان تكون شاعرة كبيرة ، فتأتي كلماتها متنوعة الوزن حسب ذائقتها الشعرية الفطرية ، فهي تقول شعرا على وزن الوافر ومجزوئه ، وكذلك المنسرح ، والتي تاخذ لها اسماء في العامية كالنعي ، والحدي ، والهجيني ، والركباني … الخ.
كانت اللازمة الشعرية المؤداة هي بيت شعري يقول :
دللول يا الولد يبني دللول
عدوك عليل وساكن الجول
ان كان في الترقيص او في النعي ، واضافة لذلك فان البيت الشعري الذي يقول :
هب الهوى وافتكت الباب
تره حسبالي اجونه احباب
اثاري الهوى والباب جذاب
هو المصاحب لاغنية الام عند ترقيصها لابنها او النعي على حالها او على عزيز رحل وتذكر حالها .
وقد كتب الشاعر محمد رحيمة الطائي قصيدة عن حال بغداد بعد عام 2003 على وزن ( دللول ) يقول فيها :
دللول الجرح بينه .. دللول ..
شينيّم جرحنه .. وليلنه يطول ..
رافگنه الحزن .. والالم والآه ..
وجنينه دموعنه .. من الوكت محصول ..
دللول ..
* * *
منريد بيچ الاجنبي يدوس ..
ومنريد من كل شامت فلوس ..
ردناچ هيبه النه .. وناموس ..
يا اغله واجمل .. كل الاوطان ..
ريت اليضدچ .. يبقى مشلول ..
دللول









