ثقافة شعبية

أحياء بغداد ومقاهيها الشعبية منبع الأدب والثقافة

الحقيقة –  متابعة

 

الحلقة الاولى

 

اشتهرت بغداد منذ عشرات السنين بمقاهيها الشعبية ، العشرات من هذه المقاهي تنتشر في مناطق وشوارع وأزقة بغداد وعلى ضفتي نهر دجلة الخالد ، ونتذكر نحن البغداديون هذه المقاهي الشعبية الموزعة هنا وهناك في احياء بغداد حتى بات يمكننا القول ان بغداد تحوي بين كل مقهى ومقهى… مقهى ، هذا ما نتذكره نحن الصغار في ذلك الوقت ويتذكرة اهالي بغداد الأكبر منا سنا” ، تلك المقاهي الشعبية ذات التصميم والطبيعة والهوية التراثية البغدادية العريقة والتي شهدت وساهمت بشكل فعال في التغيرات الاجتماعية والسياسية العديدة التي شهدها تأريخ العراق منذ تأسيسها قبل عقود طويلة . حيث كانت المكان للرواد الذين ينتمون لشرائح مختلفة وهم يخصصون جزءا من أوقاتهم اليومية لها، يتبادلون فيها شؤونهم الخاصة وأخبار البلاد والعالم ويذكر الباحثون ان أول مقهى شيد في بغداد هو مقهى ( خان جغان/عام 1590) في العهد العثماني .
ويؤكد الباحثون ان المقاهي الشعبية البغدادية لم تشهد أي حضور” للأدباء العراقيين في فترة ما قبل القرن العشرين ، فمقاهي بغداد القديمة كانت ملتقى لرجال الأدب والعلم والسياسة والفن وقراءة الشعر .
إضافة للمطالعة والراحة والتسلية وحل مشاكل العمل وهربا” من صخب الحياة المملة صيفا” في البيوت القديمة ، إضافة لكونها كانت تستقبل الكتاب والشعراء الشباب المتنورين من بقية المحافظات ممن يدفعهم الأمل في التعرف ولقاء كبار الكتاب والشعراء والأدباء والاستفادة من تجاربهم الثقافية في الأدب والقصة.
لقد أصبحت المقاهي الشعبية الأدبية في بغداد اواخر الاربعينات من القرن الماضي ظاهرة اجتماعية عراقية ، حيث تتم اللقاءات اليومية بين الادباء والكتاب والشعراء وغيرهم.. وتدور بينهم النقاشات الثقافية والفكرية والسياسية . واصبحت هذه المقاهي المكان المناسب للمثقفين والسياسيين وشرائح اجتماعية واسعة من ابناء الشعب ، وأصبحت عبارة عن مدارس تعلم فيها الأدباء والشعراء الكبار الكثير من العلوم والمعارف من خلال الحوارات التي تعقد فيما بينهم . وهم يجلسون على أرائك خشبية أمام السماورات والقواري الموضوعة في ( الأوجاغ ) الذي يغلي فيه الماء ويخدر منه ( الشاي المهيّل ) وشاي الدارسين وشاي الحامض وشاي الكجرات الحامض وشرب الأركيلة لدرجة ان قسم منهم يلقي أشعاره وهو يلعب الطاولة أو الدومينو . بينما تدور هنا وهناك نقاشات في المجالات الفنية والرياضة والعلم والآداب ، فضلا” عن الترويح وقضاء اوقات ممتعة . ولم توقف ضوضاء الشوارع المحيطة ولعب الدومينو والطاولة وصخب المارة وأصوات الباعة المتجولين وأبواق السيارات هذه المقاهي من اداء دورها في الحوار المتبادل بين المثقفين والتباحث في أمور الحياة الأدبية والسياسية وتفاصيلها .
يقول السيد ضياء الأسدي … ( لقد شكلت المقاهي الادبية ، ذاكرة للثقافة العراقية ، وأصبحت الوسط الذي تخرج منه ألمع المثقفين العراقيين الذين ساهموا بنشاط في المشهد الثقافي بإبداعاتهم الخلاقة ، فلقد لعبت المقاهي الثقافية دوراً ثقافياً واجتماعيا” وسياسيا” منذ بداية النهضة الفكرية واصبح لها دور” مهم” في حياة المثقف العراقي. حيث خرجت منها المحاولات الأولى لتطوير القصيدة العربية و الشعر والمدارس الحديثة للفن التشكيلي والنحت ) .
ومع تقدم الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق وبتأثير الثقافة الغربية واليسارية وخاصة بعد ثورة اكتوبر / 1917 وما تلاها من تأسيس للأحزاب السياسية الوطنية العراقية والتي انتشرت في العراق في تلك الفترة ارتبطت المقاهي الشعبية البغدادية بأبرز الاسماء الادبية والسياسية والاجتماعية المعروفة . وأصبحت بمثابة مراكز لتجمع رجالات الأدب والسياسة والفنون وأوكارا” لنشر الأفكار السياسية الوطنية وتناول الكتب والنشرات الثورية القادمة من خارج العراق والتي تنشد الحس الوطني وتدعو للثورة والتصدي لمخططات الاستعمار البريطاني ، بوصفها مكان تجمع لغالبية المثقفين من شعراء وأدباء وفنانين وسياسيين مما ادى الى خشيتها من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة في تلك الفترة .
ولم يقتصر تأثير المقاهي الشعبية الثقافية على الحياة الثقافية العراقية فحسب بل كان لها تأثير واضح على الأدباء والفنانين في البلدان العربية وخاصة في دمشق وبيروت والقاهرة حيث كان المثقفون والأدباء العراقيون يترددون عليها وهذا ينطبق على الكثير من الدول الأوربية وفي بلدان امريكا اللاتينية ، ويذكر الروائي والصحفي الكولومبي والحائز على جائزة نوبل للسلام في مجال الآداب عام / 1982 ( غابرييل غارسيا ماركيز ) ان لمقهى ( القطط الثلاث ) الواقع في العاصمة الارجنتينية بوينس ايرس أثرا” كبيرا” في تبلور وعيه الثقافي والأبداعي .
لم يكن هناك في بغداد في العهد العثماني غير شارع واحد هو شارع النهر الذي شيّده الوالي ناظم باشا في عام 1910 ، اما في عهد خليل باشا فقد شيد اول شارع في جانب الرصافة من بغداد لتسهيل وصول الدبلوماسيين الأجانب الذين كانوا يسكنون على ضفاف نهر دجلة في الباب الشرقي وكبار الشخصيات البغداديّة التي تقطن في محلّتي الحيدر خانة وباب الشيخ الى السراي مقرّ الحكومة .
شيد الشارع في أيار من العام 1916 ، وأُطلقت عليه تسمية شارع خليل باشا . وظلّ الشارع حتى احتلال بغداد في 11 آذار 1917 غير صالح لسير المركبات حتى بدأ الإنكليز بعد احتلالهم العراق بتعبيد الشارع وأطلقوا عليه تسمية الشارع الجديد ثم اتخذ اسماء مختلفة حتى استقر أخيراً باسم ( شارع الرشيد) تيمّناً باسم الخليفة العباسي هارون الرشيد . وبمر السنين أصبح لهذا الشارع حصة الأسد من المقاهي الشعبية الأدبية الشهيرة ، إذ قامت على جانبيه كل من مقاهي : الزهاوي ، حسن عجمي ، الواق واق ، البرازيلية ، ياسين ، شط العرب ، البلدية ، البرلمان ، المعقدون ، الشابندر ، الرشيد ومقهى الغناء أم كلثوم ، سمر ، الكسرة وغيرها الكثير . واعتبر هذا الشارع ومقاهيه المنتشرة على أماكن مختلفة من جانبيه المكان الذي تنطلق منه تظاهرات الأحزاب والقوى الوطنية العراقية والمثقفين والسياسيين ضد الهيمنة البريطانية والحكومات المتعاقبة طوال سنوات طويلة حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان