الحقيقة – متابعة
الحلقة الثانية
في الثلاثينيات من القرن الماضي كان ينطلق من مقهى ( عارف آغا ) المثقفون والوجوه الوطنية المعروفة ليشاركوا في المظاهرات الوطنية والأحتفالات التي يحييها الشاعر معروف الرصافي .
ومن المقاهي القديمة المشهورة في بغداد هو ( مقهى الزهاوي ) الذي يقع ضمن في محلة جديد حسن باشا بشارع الرشيد حيثُ تقع مقهى عارف أغا في الجانب الثاني حيثُ كان يجلس الشاعر معروف الرصافي.
لقد كان المقهى ملتقى للنخب الثقافية من وجوه المجتمع وأدبائه، منهم الشاعر المعروف جميل صدقي الزهاوي ونشاطاته الأدبية وسجالاته الحادة مع الشاعر معروف الرصافي ، أضافة لشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري وعالم الاجتماع الشهير علي الوردي وبعض السياسيين المعروفين من رجال الدولة العراقية امثال: فاضل الجمالي، وعبد الكريم قاسم وآخرون.
ويقال ان الحياة الأدبية للشاعر بدر شاكرالسياب ونشره لقصائده كانت من هذا المقهى.
وقد نظم الشاعر أنور عبد الحميد السامرائي وهو احد رواد المقهى قصيدة ونذكر منها هذين البيتين:
يا زائراً هذه المقهى ترى عجباً
فيها من العلم والتاريخ فرسانـاً
الطبُ فيها وموسيقى وفلسـفة
والذاكرين مســاء ربي أحيانـاً
وفي أحياء منطقة الأعظمية الشعبية ، قرب ساحة عنتر يجذب أنتباه المارة هناك ، أسم يذكرنا بجزيرة الواق واق والأفلام والأساطير التي حيكت عنها ، أنه مقهى الواق واق الذي تأسس عام 1946.
ويعتقد ان الأدباء والفنانين قد اتخذوا هذا الأسم والمكان لجذب الأدباء الى مكان آخرغير شارع الرشيد ومقاهيه المعروفة ، ساهم في تمويل المقهى عدد من الفنانين الكبار ، منهم جواد سليم ونزار سليم وآخرون .
وأصبح ملتقى للعديد من الوجوه الثقافية منهم الشاعر بلند الحيدري والشاعر حسين مردان والقاص فؤاد التكرلي والعديد من المثقفين العراقيين .
وفي أحد جوانب شارع الرشيد تقع المقهى المشهورة مقهى ( حسن عجمي) ، هذه المقهى التي شهدت الصراعات الادبية والثقافية.
ويقول الأدباء اذا فقدت احدا” من كبار الكتاب والأدباء والمثقفين فانك تجده يجلس على اريكة قديمة من ارائك تلك المقهى، ومنه انطلقت المظاهرات يتقدمهم احد روادها هو الشاعر الكبير (محمد مهدي الجواهري ) ليلقي قصائده الوطنية المحرضة ومنها قصيدة (أخي جعفر) التي تجر وراءها مظاهرات كبيرة منددة بالاحتلال لتتحول الى انتفاضة شعبية عام 1948 ولتسقط اثر ذلك حكومة صالح جبر ، وتطالب بألغاء معاهدة ( صالح جبر ، بيفن ) المبرمة بين العراق وبريطانيا…..
أتعلم أم أنت لا تعلم
بأن جراح الضحايا فـم
وفي الأربعينيات والخمسينيات توافد على هذا المقهى الى جانب الجواهري ، بدر شاكر السياب والبياتي وعبدالأمير الحصيري والكثير من وجوه الفكر والأدب .
ومن المقاهي المشهورة في جانب الكرخ ( مقهى البيروتي) ويقع في الجهة الغربية لنهر دجلة المسماة بالكرخ وتحديداً عند نقطة إلتقاء محلتي الجعيفر والعطيفية، وكان من رواده العديد من الادباء والشعراء والفنانين ومنهم المرحوم ملا عبود الكرخي .
واختير اسمه نسبة الى مقهى البيروتي الذي يقع في ساحة الشهداء الذي غرق بغرق بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي ، والمقهى ببنائه الجميل وموقعه الرائع على شاطئ دجلة بجعله اسماً ضمن اسماء مقاهي بغداد القديمة .
والقادم من جانب الكرخ عندما يعبر جسر الأحرار وينعطف يمينا” يقع هناك وعلى بعد أمتار قليلة مقهى شط العرب هذا المقهى الذي كان مناسبا” لشريحة الطلبة وهم يستعدون لأداء الأمتحانات النهائية حيث كنا نعقد الأجتماعات السرية لأتحاد الطلبة العام وأتحاد الشبيبة الديمقراطي والتي كانت محظورة في فترة نهاية الستينيات والسبعينيات .
وعند مواصلة السير بأتجاه الباب الشرقي يقع على مقربة منه السوق المركزي ( أورزدي باك ) وتقع مقابله سينما الوطني وسينما الرشيد بأفلامهما العربية القديمة حيث يمكن للمرء مشاهدة فلمين في وقت واحد.
وعلى بعد عشرات الأمتار يقع مقهى البرازيلية وهو أحد مقاهي بغداد المشهورة والعريقة، يقع في محلة المربعة باتجاه الباب الشرقي قرب سينما برودواي، كان مكان لقاء لطلبة الكليات والطبقة المثقفة والأدباء والشعراء ومكانا” مناسبا” لعقد الأجتماعات الحزبية السرية ايضا” وسمي من قبل بعض الأدباء بالمقهى الأرستقراطي نظرا” لأستغنائه عن تقديم الشاي وتقديمه القهوة السادة والنسكافيه مع الحليب لزبائنه.
كانت رائحة البن المستورد تجبر رواده على الاستدارة لتناول فنجان القهوة اللذيذة المشهورة والتي يحضّرها (القهوجي) على البخار من مرجله الخاص منذ أربعينيات قرن العشرين.
وقد شهد هذا المقهى المرحلة الذهبية من تاريخه مع جيل الخمسينيات في مجال الشعر والقصة والرواية والفن اتشكيلي ومنهم الشاعر العراقي مثل بلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان و جواد سليم الذي كتب في مذكراته (( الآن عرفتُ اللون ، الآن عرفتُ الرسم )) وفائق حسن.
تلك الأسماء التي اصبح لها شأنها في الحياة الثقافية العراقية فيما بعد . كنا نتردد على هذا المقهى في فترة الستينيات من القرن الماضي.
وفي المرحلة الجامعية كنا نتخذ من قسمها الخلفي مكانا للدراسة عند قرب الأمتحانات النهائية للهدوء الذي يتميز به المقهى ونوعية الزبائن الذين يترددون عليها ، وكان مكانا” مناسبا” للإطلاع على آخر أخبار السياسة والأدب والثقافة ومطالعة الصحف والمجلات التي توفرها المقهى وبذلك سنحت لنا الفرصة للتعرف على العديد من الأدباء والفنانين العراقيين .
وفي فترة الخمسينيات من القرن الماضي شهد المقهى الشعبي ( مقهى ياسين) تردد الوجوه الأدبية والثقافية من شعراء وكتاب وفنانين واصبح مركزا” لمناقشة الشؤون الفنية والأدبية وأصبح مكانا” لأستحداث النظريات الفنية كما يقول الفنان التشكيلي ( شاكر حسن آل سعيد ).
كما وشكل ( مقهى البلدية ) في باب المعظم ، مكانا” للقاء الشاعر بدر شاكر السياب وبلند الحيدري والحصيري وغيرهم العشرات .
ومن مقاهي شارع الرشيد أيضا” والمشهورة هو ( مقهى البرلمان )، ويقع مقابل جامع الحيدرخانة والذي يذكرنا بالشاي المهيل والحامض الذي يقدمه للزبائن ، ومن اهم رواده الشاعر الجواهري وقصائده الحماسية .









