ثقافة شعبية

طارق ياسين جزالة المعنى وهاجس الشعر

منذر زكي

لم تكن الثقافة في الحقبة السبعينية وحدها من صنع الابداع، في مختلف المناهج الأدبية وانما التوق لتلك الآداب من قبل معتنقيها هو من صنع الجواهر الثمينة … فالثقافة مولودة منذ الأزل،  ولم يكن هنالك حد لاستمرار اغصانها نحو النمو، سوى توقف ساقيها عن خوض غمارها بتوغل يكاد يكون على الأرجح لامنتهيا، فلو كان هنالك جمود في نتاج معين عند منتصف الطريق او ابعد من ذلك لايعني الاكتفاء في ذروة الوصول، فالبحث في الفنون لمختلف انماطها من ( قصة، وشعر ورسم الخ ) كرؤية لفضاء واسع،  فان حدث عكس ذلك يحسب على حامله . فعلى سبيل المثال نتجه نحو نمط من انماط الثقافة العامة،  وهو مختلف عن باقي الفنون الأخرى لسبب التصق به باقي الاسباب المؤدلجة لهذا الفن، وهي الموهبة الذهنية في الصياغة اللغوية المستخدمة بهيئة شعرية بحتة، تعبر عن الهواجس والمؤثرات التي سلطت عليها جراء عوامل خارجية احتكت بتماس مع الشخصية الحاملة لها، والحصيلة هنا … لايمكن الاستغناء عن الثقافة والانفراد في الموهبة فقط، وبالاخص لبوابة الشعر الشعبي، لأن الشعر الشعبي يحتوي على غزارة لغوية في المفردة المستخدمة، اذ لايمكن ومن غير الصحيح ان تشح او تنفد المفردات بخواصها ومعانيها ذات التأثير الشعري المؤثر في الجرس والمعنى داخل القصيدة، والسبب لهذا الشرط، هو عودة النص من قبل كاتبه روحاً وهيئة ً لما طرح من قبله… أي دوران المؤلف في دوامة فكرية واحدة، بالرغم من سيره نحو لافتة جديدة، ألا أنها توحي بمعرفة سابقة لضمها، التكرار كما أسلفنا.
اوتار النص
نستنتج من ذلك ان الشاعر الشعبي ان اراد لنفسه ولنتاجه المطروح ظهورا متجددا، وإحياء مستمرا، اوجب عليه القراءة … والبحث، والدراسة لشتى الآداب والمعارف … وقد وجده ذلك عند الكثير من الأدباء والمثقفين، الذين احترفوا في هذا الفن، امثال (كاظم غيلان، علي الشباني، ريسان الخزعلي، يعرب الزبيدي، وطارق ياسين ) اذ يعتبر الاخير من الشعراء الشعبيين النوادر في الصياغة الشعرية، البالغة الروعة ذات الدلالات في التمكن الوزني، والتلاعب بالجمل بنفس موسيقي، يعزف دون خلق توقفات في داخل اوتار النص .
ومن الممكن ان نستشعر ذلك .. بدخولنا نحو أحدى قصائده  التي حملت عنوان ( نزيف )،اختار فيها
 ليلا لاينضح الا شعراً ..فالجرح عميق في روح تاهت نحو  سراب المجهول فوجد الخلاص حلما لشروق شمس تضيء شواطيه ممزقة همومه نافرت أياها، ولايكتفي  شاعرنا بذلك … بل يهوى في نصه  الغوص نحو نهرعميق … يختلط بمائه حتى الذوبان، لقد صاغ (طارق) هذه الأحاسيس بمفردات شعبية عزف فيها قائلاً :
انزفلك شعر بالليل
انزف جرح مامشدود
اخلط روحي اضيعها
بكوام السنبل المحصود
احلم بيد تنمد لي …
تعزلني من التبن والعود
تبذرني بنهر وخدود   
خطاب شعري
الخيال العميق .. في الشعر عامة، هو نجاح بحد ذاته … يحسب لكاتبه بالرغم من وجود بعض التشويهات لدى المستقبل من الجمهور البسيط .. الذي يشكل فئة ذات عدد لايستهان به، اذ ان هذه الجمهرة تتقبل ماهو مباشر في الخطاب الشعري .. وتبتعد عن الرمزية الصورية، والمعنى  المتخفي للبيت المطروح .. وقد فعل هذا العامل الاساس بالتركيز نحو المباشرة السطحية في الشعر الشعبي من قبل العديد من الشعراء، تقرباً لذلك العامل المؤثر، أي … يكتفي بعض الشعراء، عند هذه  السلمة … دون الصعود لنجاح نتاجه،  تحت يد هذه الفئة التي مر ذكرها .. ومن المؤكد ودون  ريب … النجاح في ذلك عظيم، ويسعى لذلك الاغلب … ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل هذا نجاح يحتسب لثقافة الشعر الشعبي ؟ تزاحم مع الثقافات الاخرى  وفنونها المتعددة ؟
فهم صوري
العمل لايمكن ان يكون مكتملاً دون الدخول لذروة الثقافة في اللغة المكتوبة، ولانقصد بذلك خلو الشاعر بجعبته الادبية تامة بالعكس .. لايمكن لأي كاتب أن يدوّن نصا معينا دون  احتوائه  بذرات منها، ولكن المقصود هو درجاتها مرافقة ً عنصرا ً حساسا وهو الموهبة للكاتب، فكلما توجه الشاعر نحو القراءة والبحث .. والتعمق، لمختلف الفنون الأخرى … تمكن من رسم نص ذي خيال واسع، وصورة نخبية رائعة الجمال .. تدل على ثقافة عالية تمكن الشاعر الشعبي بالانتقال من فئة واحدة الى معظم الطبقات العامة، وليس هذا فحسب بل تعمل على رفع الوعي الشعري والفهم الصوري للبيت المطروح بجميع جوانبه  مشاطرة بذلك، تشكلً حيزا ً لايستهان به في الوسط الادبي … كما فعل الشاعر الراحل ( علي الشباني ) من ثورة شعبية شعرية … امتلكت وعيا  .. فرضت على مستويات ادبية عالية، اوجب علينا نحت نصوصه على صخور أبدية راسخة ولم يقصر في ذلك  الشاعر الراحل (طارق ياسين) ابدا، فقد تناول مااسلفناه، بمحمل جد واضح … في نصه الذي يحمل عنوان (التعب) :
اندور عالتعب والذكرى والاحلام
ننلم ننجمع نلتهب نتذره
بين الصوره والايقاع
بين الحلم والرغبه
بين التربه والبذره
بين الجفن والدمعه
ومن ينكسر خاطر
ننحني عالخاطر المكسور
على صبر الاحباب اعبر
يكبر بالوصف كل شي
ومن يطفر من الاظفر…
دمعي … اكتفي بدمعي
اجيال هذه الحقبة … امتازوا بتنوع المواهب، فلم يحترف (طارق ياسين) الشعر الشعبي فقط، بل زاول كتابة القصة القصيرة ايضا ً، مع الخوض في الشعر الفصيح كذلك … بالاضافة الى كونه ناقدا ً ومحبا ً للتلحين … وكل هذا يفسر لنا … الطموح الذي امتاز به والتوغل نحو الثقافة بطرق ابوابها جميعا فضلا عن قدرة شعرية رسخت في جلّ نصوصه الشعرية.   

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان