بقلم / د.حسين سرمك حسن
(الجزء الاول )
عندما يتراجع مظفّر النواب أمام المثكل وقتيا فإنه يتراجع كأسد جريح . كان الهاجس الطاغي لدى السياب في شعره هو الموت الوشيك والهشاشة الوجودية أمام الفناء . والأشد من ذلك هو ما أثبتناه في كتابنا : “التحليل النفسي لرسائل بدر شاكر السياب ” من سيطرة الخوف من شبح الموت على السياب منذ مراهقته المبكرة . تجلى هذا الخوف في أحلامه وقصائده المبكرة ورسائله إلى صديقه ” خالد الشواف ” وهو في مرحلة الدراسة الإعدادية . ولهذا يعتبر بعض النقاد وهم محقون أن السياب “انتحر” ولم يمت في الواقع . لقد اندحر وتحطمت إرادته المقاومة فركب الموت على ظهر وجوده وساقه مستسلما إلى ظلمات العالم الأسفل . لكن النواب وهو في أشد حالات المرض التي شاهدتها بعيني كان باسلا في الحفاظ على كبريائه العزيزة . كان حين يُسأل عن وضعه الصحي وعليه أعراض متعبة من مرضه المزمن ، يرد : زين .. وفي أسوأ الأحوال يقول : زين .. ومو زين !! . حتى في الأوضاع التي يتسيّد فيها تأثير المرض كحقيقة ساحقة ويكون فيها المصير أشبه بصفعة على خد وجود الفرد الرقيق المهادن والمستعلي احترازا من المهانة ، يحاول إنصاف ذاته الجسور فيحتفظ بنصف من كفة الصراع . النواب هو الشاعر الذي لم يندحر أبدا أمام مخالب المثكل الباشطة . كل من سبقوا مظفر أو عاصروه في الشعر العامي أو الفصيح بشقيه (العمودي والحديث – شعر التفعيلة ) مرّوا بحالات مراوحة بين الإقدام والإحجام تكللت بالإقرار ، المستخذي أحيانا ، بحقيقة الموت ؛ الحي الذي لا يموت كما وصفناه بحق . إلّا مظفر النواب : فهو الإنسان الذي يطوّع معادلات الفناء رغم علمه بحتميتها وقدريتها التي لا تُرد ولا تتزحزح . ولا يمكن الحصول على صورة كاملة تعبر عن هذا الحال العجيب إذا لم نمض وبصورة متسلسلة من عيش حچام واسعيده في أتون تجربة المواجهة مع رموز القمع ؛ الشرطة – المسخ التي لا هي كلاب ولا هي رجال . تلك التجربة التي تنغزل فيها خيوط الشروط الحركية والصوتية والضوئية واللونية – وهذا التظافر التعددي هو جوهر الفعل السينمائي – والتي تتصاعد حسب الحركة الموجية المتناوبة بين صعود وهبوط جزئي لا يصل القعر الانفعالي أبدا -لأن عتبة – threshold انفعال روح الشاعر متوترة دائما وعالية المستوى حتى في حالة المناجاة الحلمية الشعرية ، ومختلفة عن عتبة انفعال البشر العاديين . تابع مشهد الاستنجاد بنخوة حچام ومحاولة استنفاره لخوض المواجهة المسلحة وإثارة غيرة الحديد واستثارة روح البنادق والأهم بذور تجربة ما بعد الموت في المقطع الذي سنشير إليه في أثناء السياق : ( – يا ابن الحرة هذا عراگ
وفز غرنوگ
واتعايطن بالليل البرانو .. حده حادي النوگ
– آنه اختك
– ولچ سعده ! يسعده اشجابچ لموتي ؟
وشبگها وعاتباها
وريح التفگ اعله صدره
ولنّه صاح الموت
بگرينوف
– لا يرتاع گلبچ آنه عد عيناچ
………………………
حتى لو خذاك الموت
خزرها .. وگام گومة حزب للكلفات
يخسه اللي يگلك عن شعبنه يموت
ساعة
وتضحك الرايات
كل خيمه وراها اثبات
كل شيلة علم لا بد وراها رجال
كل ميت مثل حچام يشيل جبال ) .
وفي ثلاث مواضع تتكرّر مفردة ( التفگ – البنادق ) وهي :
أ- ( وريح التْفَگ اعله صدره .. ولنّه صاح الموت )
ب – ( ساعه والتُفَگ والليل والحوبات ، متغاوين )
ج- ( شگولن للتُفَگ لو ناشدن عنك ) .









