المهندس سليم الربيعي
لو قيّض لإبن الهيثم، والرازي، وأبقراط أن يُبْعثوا من جديد، ويُعاينوا عيادات أطباء بابل في المنطقة الكارثية (وسط البلد ياحسرة) لأصيبوا بالصدمة والحَيرة والذهول ولظنّوا إنهم في زمان قبل زمانهم وليس بعده وربما يعود لعصور الدينصورات العابثات بالارض والشجر، ولقفلوا راجعين نادمين، مهمومين على ما وصلت اليه حال طب احفاد السومريون والبابليين.
الدكتور والمهندس يمثلان زُبدة المجتمع، هذا ما علّمنا اياه معلمونا في الدراسة الابتدائية، ولأن الطبيب زبدة وليس زَبَداً فقد تقع على عاتقه مسؤولية النهوض بقيم الذوق والجمال وموجبات النظافة وشرف المهنة والترتيب والتنظيم… لا أن يكون حال عيادته أو مشفاه في ادنى درجات السلّم الذوقي، التنظيمي، الجمالي، والصحي، اقول قولي هذا وقد رأينا الفرق البائن بين مكاتب بائعي الخضار، والدلالين، والعلوجية، والقصابين، والاكسسوارات، والازياء، وبين عيادات الكثرة الكاثرة من زبدة المجتمع. ويبدو ان هنالك مشكلة عويصة بين الاطباء والتبريد والتكييف والتهوية، والماء البارد والإنارة، والاثاث اللائق والمصاعد الكهربائية ومدعيات النظافة والتعقيم والدعاية والتسويق!!!
لم تطأ قدماي أرض عيادة طبية بابلية على مدى عمري، لكنني وجدت نفسي مضطراً، محشوراً… مقهوراً… منتظراً دوري لمعرفة مصيري.
مرضٌ نزل على بدني … ساقني للحجز التلفوني يوم خميس فكان دوري صباح يوم جمعة برقم (28). حضرت بعد ساعتين ونصف من وقت حضور الطبيب، آملاً في تجاوز قهر الانتظار، وضغط جلوس الاضطرار. كانت العيادة عبارة عن بيت قديم رطب، خانق، ضيّق، أكل عليه الدهر وشرب، قابع في رأس زقاق مهمل، في منطقة منسية منقوشة بالانقاض والازبال، وبينما انا داخل، إعترضت طريقي إمرأة، يابسة، منكمشة، لا ترى ولا تشم من هيئتي شيئاً سوى لون وريقاتي النقدية ورائحتها، كانت مُترصّدة، متلمضةً، باسطةً كفّيها، غامزةً عينيها، لامزةً حاجبيها، عرفت مقصدها من اول وهلة وقررت ان أصدّها وأن لا أحقق مقصدها ومرادها… وقد ابطلت مسعاها، فليس من شيمتي رشوتها، تفضيلاً لنفسي عن سواها، قالت (يا عين (بيبيتك) باين انك مستعجل وما تقدر على الإنتظار ثلاث ساعات حتى يأتيك الدور، وإحنة بعدنة لسّة بالرقم (11) والساعة هسة 11:30). صَمَتُّ ولم أنبس ببنت شفة، زُغْتُ عنها وأنتحيت جانباً متأملاً بؤس المكان، لاعناً غدر الزمان… كنت أمام أكداس بشرية متعوبة، محشورة، هنا وهناك… فوق الكراسي البلاستيكية… على درجات السلم … في الزوايا والاكناج وخلف الكراكيب. سددت نظري بغتةً صوب كاتب العيادة وقلت في نفسي (أخ كلهه منك) … كان وجهه متجهماً، عبوساً قمطريراً، أغبر الشَعر، يابس القطر، معقوف الظهر، لا يعرف رداً لتحية، ولا رأفةً بضحية. تقدمت نحوه وناديته “مرحباً اخي” … لم يكلف نفسه ربع وسعها، ولم يرد التحية لابمثلها ولا بأقل منها … سألته بجزع … “من فضلك وين وصل الدور”؟ كان ذلك في الساعة 12,30 أي بعد ساعةً من وصولي العيادة، أجاب من بعد صمت وبلاهة يبدو انها معهودة “لسة (حيطب) رقم (12)” … أويلي يابة… أكلته مدبّسة… ساعة كاملة والرقم (11) حيث هو، معقولة… ذُهِلْتْ… ولم اصدق ما سَمِعَتْهُ أُذنايْ، لأنني رأت عيناي، خروج مرضى ودخول غيرهم خلال تلك الساعة. إحترت في الرد عليه… كتمت غيضي وقررت ان أصمت، كنت اعرف حقيقة اللعبة، واعرف كان هنالك لف ودوران، والاعيب وشقلبان، وابتزازات محصورة ما بين مطرقة وسندان… للدكتور إجور كشفية المريض ومثلها أو أكثر للمتلاعبين… حاولت ان (اتفلسف واتقوّل) شيئاً لكن رجلاً فضولياً لزجاً وقف قبالتي وعلامات الاحتيال موشومة على ساعديه، مرسومة على خديه، همهم وحوقل وبادرني قائلاً… الشهادة لله!!! (اي نعم كملت السبحة) هذه افضل عيادة وهذا الولد (الكاتب) حقاني يخاف الله… رددت باللهجة المصرية الاثيرة على قلبي “أل حئآني أل”. راح السمسير يُخرجُ من جعبته خصالاً منسوجة من وحي الخيال، تركته مغتاضاً… ساخطاً… وعدت لمكاني … لحقني… وراح يستنطقني… يستدرجني، ويثير اهتمامي وانا اشم رائحة سمسرة وفساد مستشرِ اينما رحلت وحللت. قلت له حدثني بصراحة، مالذي يجري؟؟ قال استاذ جيب ابو الاحمر (25 الف) وتنحل مشكلتك ويمكن تِنْحَل بـ(15) الف، قلت له وهؤلاء، المتعبون ، المنكوبون، الجالسون على احر من الجمر… ماذا اقول لله، ولهم، وللضمير الانساني… ابتسم بملء شدقيه واستدار قائلاً انته يبين گحف وبطران!!!
شعبٌ بأغلبه يحرص على الاستئثار، والاحتيال، وتحليل الحرام، وقبول القبح، وتسويغ المكر، والإستئناس بالدناءة، بدلاً من كنسها وغسلها وتطهيرها. خرجت منهوكاً، منكوداً… صادفتني المرأة ايّاها في المكان عينه… ناديتها (يا عين بيبيتج، واختج، وخالتج … تاخذون (25) الف وفاتورة الطبيب (25)!!! بيبيتي تسلم عليج وتكوللج … البزون جارك واللحم جارك … جارك أكل جارك )!!!.







