اراء وأفكار

لقطات ثقافية

الفريد سمعان

 

وأنا اقرأ الصحف واتمعن في العناوين تأخذني حالة من العجب والاستغراب وتنخر عظامي الكلمات البائسة المجبولة بطين الرياء والكذب.. او تغلف فنها بثياب الشعوذة واطلاق النعوت الجميلة على اكداس المزابل ومحاولة اعطاء اهمية لمن لا اهمية له.. وقد لا يستحق حتى الاشارة اليه الا اذا اقتضى الامر الاستعانة بالطين بدلا من الطحين.. وايثار الظلمة القائمة على الاحتواء البهية.

في احدى الصحف كتب احدهم عن الانزياح الشعري.. وتوقعت ان اتعرف على جوهر هذا العنوان والاجواء التي سيترنح عليها هذا العنوان البهي الساطع.. وتابعت العبارات الشيقة جداً لعلي أصل الى مرفأ تستقر عنده افكاري ورغباتي ، فماذا وجدت (من خلال قراءتنا المتابعة (لمثولات) الانزياح الفاعلة في (مبدعات الشعر..).. ومضيت مع (المثولات) و(المبدعات وهو يقصد نساءً مبدعات لكي نحسبه استخدم التأنيث لأنهن آناث ومضيت معه (.. كحالة ابداعية متقدمة لمخلوق الجنس الادبي الاكثر مطالبة للخروج… مثل خروجات ابو الطيب المتنبي والفتح الماسي لشعر شارل بودلير) ها هو ينتقل من المتنبي الى بودلير.. لا ادري اين وجه الشبه.. وعلى أي اساس.. بناء.. نهجاً.. تاريخا.. لغة.. وتمضي المقالة تنسج الجمل وتراكمها فوق بعضها ولا تخرج.. من الخندق.. المعرفي ويهيم في عوالم اللغة والنقد الادبي والنحت والصرف و(حيزياته).. انها له.. لا دخل لي فيها وتتوالى الاسماء (انها كثيرة على اغلفة الكتب!؟) تودوروف وبول فاليري وبارت وجان كوهن وتيري واراكون، وينتقل من ثم الى الجرجاني وحازم القرطاجي وابن رستيق وابن جني، ثم يعود لارسطو.. ولا يصيب الانزياح من هذا (الكم) الهائل من الاسماء والتسميات سوى النزر اليسير وتنتهي المقالة بدون ان نحظى بلقاء (وردي) مع الانزياح الشعري..

ونفاجىء بمقال آخر (يغرد) فيه الكاتب بأشتياق يلوح او تفوح من جوانبها رائحة المكافأة التي استلمها على كلماته التي اطلقها بلا حساب ودون أي رادع او اعتبار للقراء الذين رافقوا مسيرة (المبدع) الذي يتمتع بتاريخ ناعم في صفحات الرياء والمساومات والانشاء بحرارة لمن ادانته السنوات العجاف التي تحكم بها برقاب الشعب العراقي. وكان له مآثر في القتل والذبح والاغتصاب والمقابر الجماعية.. من المعروف ان الضفادع تحاول ان تبدل الوان جلودها لكي تضلل اعداءها دفاعا عن النفس وحماية من الضربات الموجعة.. ولعل بعض الاقلام تعلمت ذلك من الضفادع التي تهوي الحياة على طين الضفاف.. وعتبي على الصحف التي تزداد اتساعاً وانتشاراً وركضا وراء الاعلانات لبناء القصور وشراء سيارات الدفع الرباعي.. عتبي على هذه الصحف البائسة التي تحرر هذه التفاهات على جسورها.

والصورة الثالثة التي جلبت انتباهي هي تلك الملاحظات التي رسمها قلم خضير ميري تحت عنوان (جدل الحوار الثقافي) يؤكد فيها غبى مسألة هامة اعتدنا عليها.. حيث تأخذنا افكارنا الى مسافات بعيدة نتحاور.. نطرح موضوعا معيناً.. نبدأ بهدوء ومحبة وعقلانية.. وسرعان ما تتصاعد انفاس الكلمات ويضج المكان بما فيه وتتلاعب حتى مصابيح القاعة التي تضمنا وتستمع الى نقاشنا، الذي تتشابك فيه الكلمات واحيانا الايدي وتتصاعد نبرات الحروف وتشتد العبارات.. ويجري التلويح.. واحيانا يرتفع هدير الكلمات وتتحرك الاجساد من مكانها لتقول شيئا غير مرغوب فيه ولا يتناسب مع اهتمامنا بأنفسنا ولا ينسجم مع ادعاءاتنا العريضة بأننا (نخبة النخب).

اننا بحاجة الى ان نفهم لغة واسلوب الحوار وكيف نطرح افكارنا.. وندلي بآرائنا ونستفيد من بعضنا.. لان ما يتاح لفلان قد لا يتاح لسواه.. كما ان اسلوب (سعد) في التعبير عن آرائه هي غير اللغة التي اعتاد عليها (وعد) اضافة الى ان وسائل المعرفة قد ازدادت وتعمقت، واسلوب الخطاب الادبي والصراع الفكري اصبح ميسورا امام التطورات السمعية الحديثة.. واصبحت المعلومة تصل الى أي انسان يطلبها بسهولة وبلا عناء ولكن لغة الحوار تبقى ذات خصوصية، ويعطي مثلا اعلى لمن يحسن استعمالها والاتكاء عليها، وبالتالي نقلها للاخرين من باب نقل المعارف الجيدة ونشرها وحمل بيارق العلم الى اعلى القمم وخلق اجواء ثقافية وانسانية.. واقصاء الجهل والامية والسذاجة الفكرية، لان الحضارة التي يتصف بها ويتباهى بما تمتلكه منها الشعوب المتقدمة.. الماضية في طريق المستقبل لا تأتي اعتباطا ولا تستقيم بالخناجر والعصي والرصاص والمفخخات والقصور الفخمة.. والسرقات والادعاءات الرجعية المتخلفة والظلامية التي يريد ان يقودنا اليها عشاق الظلام والارهاب والانتهاك..

مرحى لخضير ميري لانه آثار موضوعاً جديراً بالاهتمام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان