ثقافة شعبية

المجموعة الشعرية (ملّيت) للشاعر جمعة الحلفي

بقلم / فاروق صبري

 

هكذا هو هاجس القصيدة ، وهكذا هو حال الشاعر جمعة الحلفي في مجموعته الشعرية “ملّيت” ، التي ضمّت قصائد  كتبت بين سنوات السبعينات والتسعينات من القرن الماضي. والمجموعة تُفتتح بقصيدة” فاتحة المحبة” التي كتبها الحلفي مشاركة مع الشاعر رياض النعماني ، وهي فاتحة حلمية لم يستطع البُعد الجغرافي تعطليها أو بث القنوط فيها، وهي كذلك  رسالة محبة للعراق نزفها الشاعران رغم تعاسة منافٍ فرزت بكائية مُرّة مُجسّدة عبر صور شعرية بقدر ما هي بسيطة في لغتها تمتلك صوتاً جارحاً وجريحاً :

 

البارحة بالليل

كبل ما ينسى الكمر ضوياته ونجومه

كبل وجه الصبح بشوي

دك

دك

 

دك بابي العراق بـ..بهيد

افتحت باب الكلب … اهلا

اهلا يا عراق!

اهلا.. وين دجلة والنخل

وبيوتنا الحلوة

بجه.. بجه بروحي العراق وسكتته

همومه

كعدني البجي من النوم

لني بغربتي ألبس ألبس المنفى هدوم

هوه هناك..وانا هنا

شيجيب العراق واكعد أحجي وياه

شيجيب العراق وأكعد أبجي وياه

من فاتحة المحبة والى ” بساتين الورد” ينقلنا الحلفي نحو طقوس العشق وجنون التوهج عبر قصائد مساحتها المكانية تبدو صغيرة ولكن فضاءاتها الزمانية تمتد وتمتد فاتحةً للقلب شهوته الرومانسية العالية وللروح زخماً شعرياً يتحرك صوب أفق الحياة المفتوح لتساؤلات عاشق لا يرسم المرأة تخييليا، بل ينحتها بأزميل نحّات يتهرب من محسوس مادته النحتية إلى أفكاره السرمدية:

مِن يا نبع مِرتوي

من يا غصن تفاح جبت ألوان لخدودك

مِن يا مِجرة نزلت

مِن يا سما يا كاع لَميت

 

الهوه لعودك

ومن حيرة العاشق ، من لهفته لاحتضان دفء الحبيبة يتسربل الحلفي بمشاعره الفياضة والساخنة والظمآنة ، ناثراً تساؤلاته في مواجهة امرأة ،حالة حلم يفقدها أو فقدها من زمن طويل وهو أي الحلفي في اندفاعاته وتساؤلاته يُعبئ مفرداته بمسحة رومانسية هائلة في تمردها وخروجها عن السائد الشعري الشعبي وفي قدرتها المتماهية مع روح قصائد الشاعر الكبير حاج زاير من السقوط في لعبة التقليد أو التناقض مع ارث الشعر الشعبي العراقي. الحلفي لا يجرب فقط لتأسيس لغته الشعرية الخاصة به، فهو كذلك يُغامر في تعاطيه مع اللغة وهذا  فعل يسجل له كونه يطلق مشاعره دون رقابة عقلانية، لذلك تأتي قصيدته بعيدة عن التخطيط والرزانة ، منطلقة بمشاكسة وانسيابية تؤديان إلى ابتكار الحالة ، حالة إنسان غارق في ضياء العشق وفي حيرة العاشق:

 

ناطرتك… ..

مثل ما تنطر الوردة نداها

وانتِه مو كطرة نده وبس

انتِ نهرالروح ، تسكي الروح وتخفف ظماها

ناطرتك…… مثل ما تنطر الكاع المطر

روحي صبخة وانت غيمة شوك

تتباهى بنسايمها وهواها

حين تتعب الروح وتصطخب بالحزن والوجع وحين يثقل الرأس ويزدحم بالهم والأنين فما الذي يمكن فعله؟

 

وبالضبط كيف يصوغ الحلفي الجرح النازف من القلب والروح قصيدةً؟!!

إنه يدخل إلى باحة الحب المقدسة قلقاً وحائراً دون أن تُطفئ الحبيبة تساؤلاته المريرة :

أنت…جمرة شوك بيدي

مَدري أذبها ….مَدري أجوي سنيني بيها

مَدري أخلي العمر يتباهى بضواها

يا نبي موديك كلي؟

تكطع صيامي وآنا الحالف قسم

ما بدّل الجنة بسواها

وعن نوعية حضور المرأة في قصائده يقول الحلفي “منذ بدأت بكتابة الشعر مطلع السبعينات وحتى منتصف الثمانينات حين غادرت المشهد السياسي_التنظيمي، وكما اعتقد لست أنا الوحيد بين زملائي، الذي كان يخجل أن يكتب عن المرأة ،كامرأة من لحم ودم”.  ويستطرد قائلاً” اكتشفت أن الكتابة عن المرأة وعن العشق وعن الحب وعن الجمال بمعانيها الإنسانية الأصيلة لا المسقطة على أي شيء آخر ، ليست شيئاً محرّماً أو مُعيباً ، بل إنه صلب الحياة وفي صلب العملية الإبداعية” الحلفي مثلما يؤكد لم يكتب عن المرأة وعشقها وجمالها وجسدها إلا بصورة غير محسوسة ، إذا كانت المرأة في قصائده معلقة في الأذهان وقادمة من عمق الأحلام:

تحلمتك ندى ورد عله اجروحي

وفزز كل مسامات الفرح بيهن

وتعلمتك..

 

تمر بيه

نسيم

أبيض

مر المستحة بعينك

خضار

الروح بين اجفونها شمدريك؟

وك

كل ما تصد ليه يطك بين الضلع زيتون

أما في قصائده المكتوبة في المنافي فالحلفي يخرج من إطار اللامحسوس واللامرئي  ويدخل إلى فسحة التعاطي مع المرأة كنبع لا بد من الارتواء منه ، أي انه يُطلّق المرأة الموجودة في الأذهان ليأتي بغيرها واضعاً إياها على الأرض ، يحاورها، يناغيها، يغازلها ، يعاتبها ، يجاري دلالها ، غنجها ، يغرق في جمالها:

داويني يا صاحب جمبده وساهون

وطيورك زغيرة ترف بلا جنحان

داويني… داويني العشك هدني

وحلاتك ساحنة الروح

وطراوة شفتك ما ترحم التلفان

وك داويني يدافي من الثلج ومحيّر النهران

داويني… أصيح من الجمر، والجمر كبلي

يصيح بردان!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان