بقلم / خالد مطلك العبودي
مدينة الشطرة ..المدينة الحالمة على نهر الغراف..أنجبت الأدباء والفنانين والشعراء الكبار..واليوم نستلهم ذكرى شاعرنا الراحل..زامل سعيد فتاح ….الهرم الشامخ في عالم الاغنية العراقية..ترعرع الراحل في هذه المدينة الخالدة ،مدينة العطاء ،ولد سنة 1941،ودرس في الدورة التربوية المسائية في مدينة الناصرية وتخرج معلما .
رحماك يا أخي وصديقي
رحماك أيها المنشد دررا وجواهر
رحماك يا صاحب البسمة الندية
رحماك يا صاحب الفكاهة والخلق الرفيع
رحماك يا من خلدت الاغنيه العراقية
بأغنية المكير.واعزاز . وجذاب…ودخلت القلوب وصدحت في كل البيوتات العراقية. رحماك يا اعز الأصدقاء، كيف أنساك وقد خلدت في كل زاوية من حياتي ذكرى ،قضينا مرحلة الدراسة الاعدادية سوية،وقضينا أحلى وأجمل أيام حياتنا أيها الصديق الوفي ،وطلبت مني أن ننتقل الى بغداد ولكني رفضت،وانتقل الشاعر المبدع إلى بغداد، وانتقلت أنا إلى كربلاء .
وشاعرنا الرائع المرحوم زامل سعيد فتاح , ذلك النجم الجنوبي الذي سطع وتوارى وهوى بسرعة ورحل قبل أوانه.. انه شجن جنوبي ومفردة رائعة , وشاعرية مبهرة , تغنى بحواضر الجنوب .تعايشه في بيئة ريفية فقد منحته إحساسا مرهفاً مملوءاً بالصدق وكان له صوت غنائي جميل لكنه اخذ بنصيحة صديقه وابن مدينته الملحن(طالب القرة غولي) بأن يستمر في كتابة الشعر لأنه شاعر ذو خصوصية لايملكها غيره من الشعراء.
وقد اعتلى عرش الأغنية العراقية فكلماته تنبض بمشاعر صادقة وتحمل أروع الصور الشعرية التي تدخل إلى القلب بدون استئذان صدق ما يقال(إن كل مايخرج من القلب يدخل إلى القلب) فعند انتقاله إلى إطراف بغداد عام 1970م وتزوج واستقر فيها ولقد التقى بالكثير من الشعراء وكان الراحل زامل سعيد فتاح من رواد الحداثة والتجديد في مسيرة القصيدة الشعبية , ومن الذين تركوا بصماتهم عليها وكذلك عذب الغنائية بقيت كلماتها تعيش بابها والقها في ذاكرة الزمن الذي عرف فيها. وميزته عن غيره لشفافيتها وترا فتها ولملوحتها الطازجة كجذاب ، ياخوخ ، نسينه ياهوه نسينه ، هذا انه .
وهذاك انته ،فرد عود ،تكبر فرحتي ، بعيني أريد اشريج عيني السمرة ، اعزاز ،القداح ،و المكير.
وعاش الشاعر بقية حياته في العاصمة بغداد ويبقى حاضراً معنا خلال قصائده التي نستذكرها دائماً ولم تفارقنا اغانيه التي تعتبر إرثاً غنائياً عظيماً.
وفي بغداد أصدر الشاعر زامل سعيد فتاح ديوان ” المكَيَّر “، وبالعودة إلى هذا الديوان نجد أن الملحن طالب القره غولي قد أخذ حصة الأسد في تلحين أغلب قصائده، فبالإضافة إلى أغنية ” هذا آنه ” لحن طالب القره غولي أغنيته الشهيرة ” جذاب ” التي انتشرت بين البيوتات العراقية بشكل غريب، ويمكن أن يقال إن ما من مطرب عراقي عرفه الجمهور إلا وتغنى بهذه الأغنية،
جذاب دولبني الوكت بمحبتك
جذاب روحي تمرمرت من عشرتك
جذاب … وتريد أرد انوب إلك
لا ما أرد وانسى المضى
ويبدو أن الشاعر زامل سعيد فتاح قد غير كلمات القصيدة لكي تخرج إلى مسامع الجمهور في صورتها الجميلة والسلسة التي عرفناها. ولطالب القره غولي أغنية أخرى في هذا الديوان هي أغنية – من قصيدة بديوان المكير – ” يا ليل ” هذه الأغنية التي غناها لأول مرة المطرب السوري جميل قطشة ،وغناها بعد ذلك المطرب ياس خضر،واحبها مثقفو العراق قبل عاشقاته..
حيل اسحن بروحي سحن
ماكولن احاه واون
يا ليل صدق ما أطخلك راس
واشكيلك حزن
فتاح في ديوانه البسيط هذا، أجمل صور العشق العراقية، فقصائده المتنوعة بحكاياتها وبنائها الشعري قد تكون السر في أن يكون هذا الديوان رافداً مهماً من روافد الأغنية العراقية، وما زلنا نتحدث عن القصائد التي لحنها طالب ، أغنية ” فرد عود ” التي سحرنا بها صوت المطرب حسين نعمة. القصيدة مكونة من مقطعي شعر، يحتوي كل مقطع منها على صورة شعرية ذات دلالة واضحه تعرفها الأغنية العراقية- ( سَيَّر علينه الهوى / وجَفَّل بقايا الشوق … وكلمة هلا ومرحبا / بس الحبيبي اتلوك ) هذه الصورة الشعرية التي أراد شاعرها أن يفصح عن عشق سكن داخل الروح العاشقة منذ سنين طويلة، ولكنه سرعان ما تحرك وطفحت معالمه عند قدوم الحبيب. أما الصورة الشعرية الثانية فقد حولت صورة النخلة العراقية إلى عاشقة تذرف الدموع عسلاً.
والليلة فتّح طفل
يا روحي عشق الراح
دمع التبرزل عسل
وعثوكَه ما تنلاح.
عندما سمع الجمهور العراقي هذه الأغنية لأول مرة بصوت المطرب حسين نعمة، عرف وبشكل لا يحتمل اللبس بأن هذا المطرب هو من يمتلك بين ثنايا صوته أجمل قرار غنائي من بين أصوات المطربين العراقيين. للمطرب حسين نعمة حصة لا يستهان بها من ديوان ” المكَيَّر ” فلقد أخذ منه أشهر المواويل التي غناها وسميت باسمه مثل ( يا عيني عليمن اربيّه … ولا جيه بعد منهم … ولا كَعدات كَمرية … )، حيث غنى هذا الموال على نغم العجم. وعلى نغم الرست له كذلك موال من قصيدة ” ديس العنز ” الذي أخذ شهرة كبيرة والذي يقول فيه:
روحي ..؟طريِّه وتشتهي
صوباط عنبك عالي
ردناك يا ديس العنز
وامك تسوم بغالي.
القصيدة الثالثة والتي أخذ منها المطرب حسين مقطعاً ليغنيه موال على نغم الرست أيضاً، هي قصيدة ” قداح “، حيث تقول الأبيات الثلاثة الأولى ( قداح .. والقداح يذبل من تريد اتجيسه / وخد الترف يكثر ويرتوي بالبوسة / يا بوسة العريس ليلة زفته بعروسه )، هكذا يفصح لنا ديوان الشاعر زامل سعيد فتاح ” المكَيَّر ” عن قصائد أصبحت تحفا غنائية غالية الثمن بسيطة التناول عصية على النسيان، ولم يكتفِ هذا الديوان الصغير بذلك،بل راح يشكو عشقه الجميل إلى كل من عرف فرحة العشق، بصوته ومن بين أوتار الملحن طالب القره غولي في قصيدة ” شكوى ” التي عرفها المستمع العراقي بصوت المطرب رضا الخياط و من خلال كلماتها الدافئة:
تكبر فرحتي بعيني
واشوف الدنيه بعيونك
ويمر بخاطري وضني
أمل وردي من اشوفنك.
وهذه الأغنية هي أول أغنية يغنيها داود القيسي قبل أن يتحول إلى غناء الأغاني والأناشيد. انتشرت هذه الأغنية بصوت رضا الخياط وطالب القره غولي بشكل ملفت للنظر، حيث دخلت كل البيوتات العراقية بعدما سكنت قلوب العاشقين،على الرغم من أنها بقيت حبيسة الكاسيتات ولم تصور تلفزيونيا.









