قراءة : داود سلمان الشويلي
من المعروف ان الشعر الحديث يعبر – فيما يعبر به – بالصورة الشعرية التي تعتمد اشكالا درامية وسردية ، تأخذ من الواقع الشيء الكثير لتبني اسطورتها بشكل موحٍ ،شفاف ، ان لم تأخذ من الاساطير المحايثة لها، او التي سبقتها ، لباسا لها ، مما ينتح عن كل ذلك رؤية للذاتي والموضوعي في تعامل الشاعر مع الانسان ، والكون ، والعالم .
تعتمد الصورة الشعرية على ثلاثة مكونات أساسية هي : اللغة التي تبنى بها، والعاطفة التي تلفها، و الخيال الذي يكونها.
ويرى جون كوهين ان وظيفة الصورة الشعرية هي التكثيف ، والتكثيف كما يرى هي من مهمات الشعرية. ( اللغة العليا : النظرية الشعرية – جون كوهين – تر: احمد درويش- المجلس الاعلى للثقافة – القاهرة – 1995 – ص 145 ) ، والتكثيف الذي يشير اليه كوهين هو ما تحمله الصورة الشعرية من اقتصاد في اللغة التي تقدم بها تلك الصورة.
و عندما نقرأ قصيدة تستجيب للشروط الشعرية ، ونصفها بانها عبارة عن صور شعرية جميلة ، او رائعة ، او العكس ، فاننا لا نجانب الصواب في النتيجة التي خرجنا بها ، لان الصورة الشعرية واحدة من المقومات الاساسية للقصيدة ، ومن مستلزماتها التي تنهض بها ، لانها هي الطاقة المؤثرة والفاعلة في تخوم القصيدة تلك ، من خلال ما تنتجه المخيلة النابضة بالحياة والديمومة ، هذه المخيلة التي تنتج الاف الصور الشعرية وغير الشعرية ، لتصبها في قوالب متعددة ومتنوعة ، حتى اذا ما وجدت قالب الشعر، راحت تنبض بما هو شعري وجمالي من اشتراطات .
والصورة الشعرية عند ذاك هي الكفيلة بان تبعث الروح الحية في القصيدة ، وتلبسها اللبوس الشعري الذي يؤسس نهجه ضمن الاشتراطات الشعرية .
وللمخيلة الشعرية بأبعادها المنطقية ، والنفسية ، والجمالية ، دور بارز واساسي في صنع هذه الصورة ( وقد قيل قديما الشعر صناعة ، وجنس من التصوير – الجاحظ) ، اذ انها الاداة التي ترسم فيها المخيلة هذه الصورة من خلال الكلمات المخزونة في الذاكرة ، والتي تشحن بما هو حسي ، وعاطفي ، وذهني ، فتختار من تلك الكلمات ما يساعدها على صنع صورة لا تبتعد عن الواقع ، ولا تنقل منه ، ولا هي الواقع بحذافيره .
والصورة الشعرية لشعراء السبعينيات العاميين ( ومنهم الشاعر فلاح السيد ) ، الحقبة الذهبية للشعر العامي ، هي صورة مثيرة ،فهي تعمل على إثارة الدهشة والمفاجأة لدى المتلقي ، لما تحمله من عناصر ادهاش كثيرة .
كتب الشاعر فلاح السيد القصيدة العامية منذ عام 1976 ، أي انه زامل شعراء عاميين كبارا ظهروا في تلك الفترة الغنية بالشعر الذي يصل حد ان يوصفوا بالفحول في الشعر العامي العراقي ، حيث نقلت لنا قصائدهم هموم الانسان الكادح ، وقضاياه في الحب والجمال ،وهم يتطلعون بتفاؤل مفرح للانسان العراقي المتطلع للمستقبل .
لقد نقل شاعر السبعينات صورا رائعة عن الحياة العامة برمزية عالية ، ومضمون ثري بما هو انساني في انسجام جميل ورائع بين الشكل والرقة في الكلمات ، فكانت قصائدهم تحمل أدق تفاصيل الحياة التي يعيشها الوطن والمجتمع ، انهم يرسمون بالكلمات ، كما يقول الشاعر نزار قباني ، كالشاعر شاكر السماوي ، واخيه عزيز السماوي ، والشاعر ابو سرحان ، والشاعر عريان سيد خلف ، والشاعر كاظم اسماعيل الكاطع ، والشاعر محمد عبد الرضا ، والشاعر ريسان صدام الخزعلي ، والشاعر ابو وليد ، والشاعر طارق ياسين ، والشاعر كاظم الركابي ، والشاعر صلاح السماوي ، والشاعر كريم راضي العماري ، والشاعر محمد عزيز كاندو ، والشاعر اسماعيل محمد اسماعيل ، والشاعر داود سلمان الشويلي ، وغيرهم من الشعراء العاميين الذين ظهروا في تلك الفترة .
ان تلك الفترة – فترة جريدة الراصد الاسبوعية خاصة – هي الفترة الاخصب للشعر العامي العراقي التي تقدم فيها الشعر العامي باطراد ، وبسرعة كبيرة ، لان الذين كانوا يكتبونه اعدوا انفسهم اعدادا كاملا لتحمل كتابة القصيدة العامية على طريقة شعر التفعيلة في الشعر العربي الفصيح ، بما يحمله من بناء فخم ، وافكار كبيرة ومدروسة دراسة كاملة قبل صبها في قالب شعري ، وصور شعرية صادرة من مخيلة نابضة بالحياة ، لكي لا يقال ان هذا الشعر هو شعر فكرة ، وتكون القصيدة عند ذاك كالمقال السياسي ، او الفلسفي ، او ما شاكل ذلك.
في هذه السطور سنتطرق الى موضوع مهم في القصيدة العامية ، وهو الصورة الشعرية في شعر تلك الفترة من خلال الشاعر السبعيني فلاح السيد ، والقصائد التي سندرسها كتبت اعتبارا من علم 1979 حتى عام 2015 .
تتشكل الصورة في قصائد السيد في كثير من الاحيان في استخدام العادي ،و اليومي ، اذ يمنح هذا الاستعمال كل ما هو عادي ويومي ، طاقة شعرية كبيرة ، ليتسامى به الى مصاف القيمة العليا والنادرة في التصوير الشعري.
يقول جيمس ديكي الشاعر الامريكي:((الشعر طريقة تتلاقى فيها الكلمات بنوع من الاقتران السحريّ الذي يَجْعل القارئ يَدْخل في تجربته الفعلية وليس تجربة الشاعر” ترجمة شاكر لعيبي”)) ، وهكذا نرى الصور الشعرية عند السيد تنبثق من تلاقي الفاظ وكلمات بنوع سحري خاص بالشاعر.
فورقة ” البافرة ” ورقة السكائر المبتذلة ، تصبح ذات قيمة تمثلية في هذه القصيدة عندما تسقط في الماء فتتفتت بسرعة ، لانها رقيقة وخفيفة ، كما يتعثر الشخص ويطيح ارضا :
و : ((تعثر بالبخت واطيح
ورگة بافره اعله الماي،)).
وتتشكل الصورة عنده كذلك من ترتيب الالفاظ غير الشعرية او التي تكون بعيدة من الشعر ( المكروهة وغير المستساغة انسانيا، مثل :المنايه ، خشب تابوت ،كبور) في نسق يتصف بالشعرية القادرة على توليد الصورة الشعرية ، يقول الشاعر :
((تاخذني المنايه زحوف
وتشلبه خشب تابوت
بجتاف اليزتني اگبور
مرسومة بوجه تعبان)). من قصيدة (انه بلياك مستاحش) .
حيث المنايا “جمع منية “، و الشاعر هنا لا يبتعد عن قول أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر المخضرم:
وإذا المنية أنشبت أظفارها… ألفيت كل تميمة لا تنفع
لان الاثنين ينهلان من معين واحد هو الانسانية في نظرتها للاشياء ، في ان المنية عندما تنشب اظفارها في الشخص فلا تميمة او شيء اخر ينفع والحالة هذه ، وهو المعنى نفسه الذي جاء به الشاعر السيد في قصيدته تلك ، فتاخذه المنايا المرسومة الى التابوت ، ومن ثم الى القبر.
وخشب التابوت هذا يستخدمه الشاعر مرة اخرى في وصف الاخر :
((وانته ولا عرف
جنك خشب تابوت)).( قصيدة خشب تابوت )
خشب جاسٍ ، يابس ، ينضح بالموت ،متروك تحت رحمة البرد والحرارة والمطر .
و الشعر لما كان هو لعب على وفي اللغة ، واللغة هي الالفاظ في ترابطها ، فان هذا الترابط سيصنع الصورة الشعرية التي سنلتقي بها في قصائد السيد ، كالصور المركبة من المحسوس واللامحسوس”، حيث ركب السيد صوره من المعنى المحسوس والمعنى غير المحسوس :
يقول في قصيدة له :
(( حطني ماي اويه العطش
من كون تحتر
بيه يتشلبه النده
يغازل اشفافك )).
الماي ، و اشفافك ، هذه المعاني مادية محسوسة ، يستخدمها الشاعر مع معانٍ غير مادية وغير محسوسة ، مثل : العطش ، و يغازل .
وفي قصيدة ” اجيسك ” يقول :
((وابطل النوح…
احط گلبي بلهات الموت)).
حيث يمتزج المحسوس ” لهات” بغير المحسوس ” الموت ” لان الموت بقدر ما نشعر به ، فاننا لا نحس به ، لا باللمس ، ولا بالنظر ، ولا باي حاسة كانت .
وفي قصيدة “مناكت ” “
(( مناكت والهموم مدثرات هواي
شاخن وانته صفنة غيض…
يالمبحر بروج الطين
تعثر والملامة اسيوف)).
تنحى المنحى نفسه في بناء الصورة الشعرية ، من المحسوس واللامحسوس.
والصورة الشعرية التي قدمها الشعر العامي السبعيني تميل الى ان تكون صورة سريالية ، وهذا ليس معناه تأثره بالشعر الغربي والمدرسة السريالية في الشعر الغربي او العربي ، وانما هو سير على خطى الشعراء الاسلاف في تقديم صورة مدهشة وممتلئة بكل ما يجعلها صورة شعرية متكاملة ، وهذا ما دعت اليه السريالية في ان (( تمر في شرطين لتأكيد نفسها : الهدم الكلي للواقع الراهن ، ثم اعادة ترتيب عناصره بالطريقة الاقرب الى تحريره في الداخل كما في الخارج )) .( السريالية وتفاعلاتها العربية – 14 ، عصام محفوظ – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط1 –1987 . ) .
قال المتنبي :
نحن ركب ملجن فـــــي زي ناس فوق طير لها شخوص الجمال
من نبات الجديل تمشي بنا في الـ بيد مشي الايام فـــــــي الآجال
يقول شاعر اخر (– البخلاء – الجاحظ – دار صادر ودار بيروت – بيروت – 1963 – ص 253 . )
الا ليت خبزا ً قد تسربل رائبا ً وخيلا ً من البرني فرسانها الزُّبدُ
نجد ذلك في قصائد كثيرة للشاعر السيد ، مثل قصيدة ” شتريدين ” :
(( واتشلبه اعله جرفج ماي
يشربني ويهدني الطين)).
وفي قصيدة ” خشب تابوت” :
((وجفوفك مناجل غيض)).
ولو تصورنا الصورتين في اذهاننا لرأينا لوحتين تشكيليتين احداهما فيها الماء الصاعد للاعلى ، وهذا لا يمكنه الحدوث الا في العالم الذهني السريالي، اي في الهدم واعادة البناء بعد تحريره من كل العوائق التي تقف بطريقه .
وفي اللوحة الثانية نرى الكفوف مثل المناجل التي تقطع ” الغيض ” في نفس الشاعر ، وهذا لا يمكنه الحدوث لان ” الغيض ” شيء غير محسوس، ولا مرئي .
والصور الشعرية كثيرة في شعر “السيد” حيث يبني قصيدته على صور متقنة ، بارعة ، تأخذ في سمع المتلقي فتتركه متسائلا ، محاورا للقصيدة والصورة ، من مثل :
(( واحسن بيك بهدومي
عطر ما فارگاني ايام……)).
و : ((يترهدن اعله متونك خيال الطين ..
صوفر ورگ عزرائيل ومتانيك)).
و : ((انه بلياك مستاحش
نهر عطشان
وجروفي بطرگ سباح
مات ابوحشته وما ظاگ
رشفة ماي)).
هذه لمحات قصيرة عن الصورة الشعرية عند فلاح السيد ، نأمل في يوم ما ان يدرس هذا الشاعر السبعيني لنعرف مدى قوة وصلابة الشعر في تلك الفترة التي مازال الكثير من شعرائها يكتب القصيدة بحس وذائقة سبعينية متطورة ، مثل الشعراء ريسان صدام الخزعلي ،والشاعر ابو وليد ( سفاح عبد الكريم ) ، والشاعر عريان سيد خلف ، والشاعر كريم راضي العماري ،وغيرهم .









