ثقافة شعبية

الوريث قراءة في شعر عزيز السماوي

 بقلم / عبدالكريم كاصد

 

    لقد دخل الوريث منفاه كأسلافه وكأنه قادم للتو من حروب سومر وبابل، منهك بعصاه ولحيته البيضاء، فلا أثر لمنفى في شعره، ولو بحثت عن أثر للمنفى في شعره فلن تجده أبداً، وبالفعل لم أجد للمنفى أثراً في شعر عزيز السماويّ.

    أما من أثرٍ لمكان آخر؟

    أما من أثرٍ لزمان آخر؟

    أيستعيد الشاعر الوطن ليمحو المنفى؟

    أم يمحو المنفى ليستعيد الوطن؟

    وأعجب كيف تكون اللغة عائقاً وهي التي اتسعت للاثنين. الوطن والمنفى.

    قد تتبادل اللغات الأدوار فتحل لغة محل أخرى. فلا تفقد إلا شيئاً يسيراً من خصوصيتها، ولكن كيف يمكن أن نبادل لهجة عراقية صرفاً بلغة هي نقيضها.

    أراد عزيز وريث الشاعر السومريّ، أو أرادوا له، أن يكون منفياً، فارتد إلى وطنه، وشاعرا حاضراً فارتد إلى ماضيه، وشاعراً فصيحاً فارتد إلى لهجته، وهو في ذلك لا يتردد في عملية معكوسة من الاستفادة من الأشكال المعاصرة لاستخدامها في شعره الشعبي، بل هو لا يتردد في جرأة نادرة من استعارة أعقد الأحاسيس في توظيفها في الشعر بلغته المحكية، فإذا قال مالاراميه:

   إن الجسد لحزين

 وقد قرأت جميع الكتب

  فإن عزيز يجترح القول:

 مجنون هذا الجسم

 وإذا قال بودلير:

كوني عاقلةً يا آلامي

 فإن عزيز يستعير البيت محولا إياه إلى خبرٍ مقرون بحكمة شعبية أليفة:

 دورات الحزن عاقل

 وإذا قال أدونيس:

 لو أنّني أعرف أن أدجّن الغرابة

سوّيت كل حجر سحابة

 فإن عزيز يتمثل الصياغة فيقول:

 أكدر أسوي الجسر دنبوس

 بل إن بيتاً للشاعر السوري فايز خضّور ظل يردده عزيز أمامي معجباً: “يا عجينيّ الخواصر يا حبيبي.” ولم يهدأ باله إلا بعدما انعكس صداه بعيدا في بيته الشعري هذا: 

 يلين الحزن بجفوني وخصرها يلين

  وهو في تمثّله هذا الذي يبدو تثاقفاً من شاعر شعبي لم يكن بعيداً عن هاجسه الخاص وتجربته الشعرية الحياتية، فعزيز كما ذكرني أحد أصدقائه الحميمين في أثناء استعادتنا بيته الشهير “أكدر أسوي الجسر دنبوس” كان يعمل مهندسا للطرق والجسور، وفي ذلك مفارقة رهيبة بين تجربة الشاعر الحياتية، وحلمه في التغيير ولعل في هذه المفارقة تماماً تكمن التجربة الشعرية.

إن عزيز لا يأتي من وراء سياج للشعر أو من خلف مقصورة أو باب بل يجيء كالعدّاء القادم من مسافات بعيدة ملء روحه وكأن العالم أقفر من كل شيء إلا الشعر.

وحين يريد أن يسمع كلماته فلا ينطقها بل يخلقها وكأنه ينفخ فيها من روحه ليحيلها إلى مخلوقات سوية، وهذا ما عجّل من أجله.

 كان يتهيأ كالمجنون أياما بل أسابيع قبل أن يبدأ أية أمسية له وكأن قيامة ستحدث، أو حادثة ستقوم حتى ينهك جسده الضعيف المنهك في الأصل.

أذكر حين سمعته أول مرة، أصابتني الدهشة: لماذا يرهق الشاعر نفسه وبدنه إلى هذا الحد؟ أليس من طريقة أخرى للألفة مع الكلمات؟

إن عزيز لا يقرأ شعره إن لم تكن روحه دقّت كدبّوس قاتل.. دبوس مسموم بل إنني لا أصدق أن عزيز السماوي يرى بعينيه من يسمعونه حين يقرأ وكأنه صوفيّ غائب.

لقد أزاح الشعر كل شيء، وحلّ ضيفاً وحيداً في مضيف الشاعر، فلم يعد للشاعر دليل إلا الشعر، دليل إلى الحياة لا العكس، وهذا ما أدخله في مفارقات وصعوبات جمة من الصعب فهمها لدى الآخرين الذين يرون في الشعر مخلوقا شاذاً غير سوي لا يرى غير ذاته مضخمة في مرآة.

أتذكر مرة في مقهى في البصرة تقدم شخص من عزيز وحيّاه فارتبك عزيز ارتباك الشاعر الذي لا يعرف جمهوره، لا ارتباك الخائف، وحين سأله “تتذكرني أستاذ؟” بدأ عزيز وكأنه يستعيد إحدى أمسياته الصاخبة المليئة بالمعجبين من محبي شعره أيام كان نجماً يتحلق من حوله المعجبون، ظَنَّ أنه واحداً منهم، ولكن ما أشد خيبة عزيز حين علم أن الشخص لا يعرفه بصفته شاعراً، بل مهندسا للطرق والجسور، التقاه مرة في مكان ما.

    لا أنسى، أيضاً تلك الليلة في أحد بارات البصرة حين قرأ عزيز، وقد فرغ البار من رواده، بعضا من شعره، لقد فاجأنا جميعا نحن أصدقاءه، بعلوّ نبرته التي لا يتسع لها إلا مكان شاسع: ملعب أو صحراء، حتى أن أحد أصدقائه الذي لم يعتد إنشاده غصّ بشيء مكتوم، لكنه سرعان ما استدرك الأمر بتظاهره بالجد، بأقصى الجد في موقف لا يتسع أبدا للهامش، أما عمال البار فقد تحلقوا حولنا من بعيد واجمين وكأنهم يشهدون حدثاً لم يروا مثله من قبل.

يكاد الشعر أن يكون لدى عزيز غاية بل مصيراً إغريقياً لا يتردد حتى بالتضحية بنفسه على محرابه في زمن لا يقدّر التضحية حتى من أجل ما هو أسمى من الشعر، وإذا كان الشعر لدى بعض الشعراء يعكس بطولة فإن البطولة لدى عزيز يستمدها من شعره، إنه الموقف الذي تتحدد انطلاقاً منه كل المواقف الأخرى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان