اراء وأفكار

المجتمع والأطباء والفصل العشائري

 

 

 

الفريد سمعان

 

 

 

 

الانتماء العشائري ليس جديدا على مجتمعنا العربي والعراقي بشكل خاص.. وقد عرفت عشائر العراق بمواقفها الوطنية.. ابتداءً من المشاركة الواسعة والعميقة في ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني وما تلاه من احداث في بناء الدولة والمشاركة في المراكز الحيوية كوزراء ونواب وعسكريين ومفكرين ورجال شرطة وكان هنالك نوع من التوازن في العهد الملكي رغم بعض الاندفاعات وتفضيل بعض العشائر على البعض الاخر وحسب العلاقة بين الرجال المخضرمين من الساسة ورؤساء هذه العشائر حيث كانت هنالك بعض التمردات لعدم توزيع(الاسلاب) بعدالة بين هذه التشكيلة العشائرية المتنوعة.

وبعد صدور قانون الاصلاح الزراعي الفت قرارات ثورة 14 تموز المجيدة قانون العشائر وكانت النتائج ( تقلص) النفوذ العشائري بعد توزيع الاراضي على الفلاحين وانحسار النفوذ السلطوي لرئيس العشيرة ولكن ظلت هنالك بعض النتوءات التي كانت تروج لاهمية الانتساب العشائري وهي تتضمن حماية ابناء العشيرة لبعضهم في النوائب والتضامن معهم عند وقوع عدوان ( غير مشروع) من قبل الاخرين وهو محاولة للتهرب من القوانين التي تنظم الحياة الاجتماعية وتحمي الضعفاء من تسلط الاقوياء وتعالج الاتجاهات العدوانية من قبل الاشرار في جرائم كبرى كالقتل والسرقة والاحتيال والاغتصاب..

وقد التزمت هذه الحماية الوقوف الى جانب المعتدين. ولتبرير ذلك قامت سلطات البعث باحياء هذه الظواهر السلبية السيئة واصبحت عبارة ( من ياعمام) سائدة وفيها تكريس لاهمية العشيرة والانتماء اليها والتمسك بتقاليدها.. ولكن نفوذها ظل محدوداً بما كان يريده ( نظام الحكم الدكتاتوري) من الوقوف في وجه الاتجاه العلماني الذي كان يسير حثيثاً لادراك مسيرة الحضارة والخروج من نوافذ التخلف والرجعية وكان متوقعاً ان نتخلص من قبضة وانياب التخلف الدكتاتوري الا ان الرياح بدأت تهب بما لا تشتهي السفن، وكرست من جديد القيم العشائرية التي لا تتناسب مع تطور الحياة والسعي نحو مرافىء المستقبل.. وقد استغل الرجعيون والمتخلفون (واصحاب المصالح) ذلك واستغلوا القطاع الكبير من الفقراء البسطاء وبدأوا يلوحون لهم بأهمية الحفاظ على التقاليد البائدة لحماية انفسهم من أي اعتداء او ظلم..

وتوسعت الصورة.. واخذت تشغل مساحة كبيرة، فأصبح القاتل يستعين بالعشيرة لتنقذه من حبل المشنقة ، والفاسد يسعى اليها لكي تحميه من فساده.. والعدواني الذي يستغل نفوذ العشيرة لتحميه اثناء الازمات.. ووصل الامر الى حماية الذين خطفوا الاف الناس والمواطنين، وفرض اتاوات بملايين الملايين وبالدولار وهم مجموعة لصوص (وبلطجية) على طريقة المصريين.. ووصل الامر الى تهديد الاطباء واخذ (الاتاوات) عندما يموت مريضهم تحت ظروف العملية التي يجريها الطبيب دون ان يكون له أي سبب يخول هؤلاء اللصوص بمطالبة الطبيب.. كما اصبح انتهاك الاعراض وسيلة من وسائل الابتزاز وحبك القصص والحكايات لأسقاط الآخرين ، ومن ثم مطالبتهم بتأدية (كفارة) و(دية) لحماية (شرف العائلة) ويا لها من عائلة تسوق نساءها للدعارة ثم تطالب (بالفصل العشائري) واصبح الامر مباحا للسكارى وهم (يلوصون) ويعتدون.. وعندما يقوم الاخرون بردعهم والوقوف بوجه عدوانهم تجري مساومات قذرة من قبل ادعياء العشيرة لتعويضهم (عما تعرضوا له) متناسين الاساءات التي صدرت عنهم وعكرت صفو المجتمع ومكانته.

لقد طفح الكيل وتجاوزت الامور الشريرة عتبات المنطق السليم، وازداد التخلف واصبحت الارض مستنقعاً للجرائم بدعوى الانتماء العشائري التي تجد اصداءها في مساحات شاسعة، رغم ان العشيرة لم تعد مجموعة من البسطاء والمتخلفين.. حيث ارتفع المستوى الثقافي واصبحت العشيرة تمتلك وجوها مشرقة من طبيب الى مهندس او محام او تاجر كبير، او مثقف على مستوى رفيع، ولابد ان ينعكس ذلك على الوسط الاجتماعي ويأخذ مداه في كل الجوانب وعلى راسها احترام المرأة وفك الحصار التخلفي عنها ومنحها الحرية، والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.. ولا بد من ردع السفلة والجبناء والمعتدين والقتلة وعدم تلبية طلباتهم بالثأر العشائري.. وعلى السلطة اذا كانت جادة في ضمان آمن المجتمع وحمايته من الفساد والانحطاط ان تقف بوجه أي اعتداء يحصل تحت شعار الانتماء العشائري، والتمسك بالتقاليد المتخلفة،، وعلى المثقفين ان يلعبوا دورهم في هذا الميدان.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان