رحيم العراقي
قبل أربعة عقود من السنوات أو يزيد كنت أعتقد بأن دور السينما والأراجيح و دواليب الهوى والحلوى لا وجود لها في الأيام العادية وإنما تظهر فقط في العيد.. وتختفي بعده .. ولم اشعر بوجودها خلال الأيام العادية إلا بعد سنوات طويلة .. لذلك كنا ننتظر أيام العيد بشوق كبير .. وعندما يردد أصدقائي (عيد و جابه العباس إلنه) كنت أشعر بالإمتنان للإمام لأنه جلب لنا أحب الأيام والمناسبات السعيدة.. وعندما تميل شمس اليوم الأخير من أيام العيد نحو الغروب كانوا يرددون: راح العيد و إهلاله و كلمن رد على إجلاله .. أي انهم سيخلعون الملابس الجديدة والنظيفة التي لا يرتدونها سوى أيام العيد و يعودون الى الملابس الثقيلة و العتيقة وكأنها برادع الحمير.. ملاحظة: ( البَرْدَعَةُ : ما يوضَعُ على الحِمَار أو البغل ، لِيُرْكَبَ عليه والجمع: برادع ، كما جاء في في معجم المعاني الجامع) وكنا نبدأ اليوم الأول من العيد بالتفرج على ساحات مدينة الثورة المتربة وقد أصبحت ميادين لألعاب العيد.. فلا نزور الأقارب لأنهم يعتبرون اليوم الأول: عيد الحكومة.. وينتظرون تبليغات الحوزة من خلال أئمة الجوامع. وكانت جدتي تتفنن في التهرب من العيد فتقول لنا في اليوم الثاني من عيد الفطر: هذا عيد الصـِيـّام.. إنتم صـِيّام..؟.. وفي اليوم الثاني من عيد الأضحى : هذا عيد الموتى .. وكنت أثور وأصيح بها : يعني الموتى اليوم يلبسون أكفان جديده ويعايدون بعضهم..؟. فتنهرني وأخرج مكتفياً بغنيمة السلامة وقطعة الكليجه .. لذلك نمضي انا وشقيقي الأكبر كريم العراقي الى منطقة النهضة.. و ما ان نجتاز محلات الخشب الكبرى قرب سينما الفردوس حتى يقول لي ما يكرر قوله في هذا المكان كل عيدو و بلهجة تقرب الى التوسل : هسه بكيفك.. نصرف كل فلوسنه عالسينمات والعمبه لو نشتري كم كتاب؟. ولأنني اعرف سلفاً بأن رأيي لن يغـّـير شيئاً أومئ برأسي بالموافقة فنمر على بائع الكتب العجوز لنشتري منه قصص – مطبعة الغري الحديثة – مثل مريم الزنارية أو تودد الجارية أو الحمال والسبع بنات أو عجيب وغريب وسهيم الليل أو غيرها ثم نواصل سيرنا دون ان نمر بسينما الفردوس بسبب إنتشار بعض السكارى والشاذين بين روادها .. و لكونها تكرر عرض ذات الأفلام كل مرة ومن بينها الفيلم الإيراني المدبلج : ( أبو جاسم لر) وغيره.. ويبقى جرس الدخول يرن طوال العرض فيستطيع المتفرج الدخول متى شاء كما يمكنه البقاء بعد إنتها الفيلم لمشاهدته مرة اخرى و ثالثة و رابعة.. لذلك يخرج بعض رواد سينما الفردوس وهم يترنحون ويرددون حوارات الممثلين التي حفظوها على ظهر قلب.. لهذا نواصل طريقنا الى شارع الرشيد ومن خلاله الى الباب الشرقي.. فنشتري أحياناً صوراً لعبد الحليم حافظ او أعداداً قديمة من مجلتي الموعد أو الكواكب .. وكان شقيقي كريم ينبّهني دائما بان هذه المجلات متوفرة في محلات الحلاقة ويمكنني قراءتها مجاناً ..وينبغي ان نشتري كتبا أخرى من أصحاب العربات مثل الأم و البؤساء ومدام لافاييت أو روايات نجيب محفوظ و محمد عبدالحليم عبدالله او منشورات دار العلم للملايين ودار الآداب للنشر والتوزيع و دار الفارابي ودار الكتاب اللبناني .. ثم يكافئني شقيقي على تنازلي عما تبقى من مصروفي للكتب المطبوعة في لبنان بمشاهدة أحد أفلام الويسترن أو الكاوبوي والتي كنا نسميها أفلام الوحوش والعصابة فنصف الشعب الهندي الأحمر بالوحوش دون ان نعرف بانها تسمية إستعمارية .. فنقف امام سينما الوطني و ننظر الى اليافطات لنتاكد من وجود الأبطال الذين نحبهم مثل غاري كوبر أو بيرت لانكستر أو روبيرت ريد فورد أو بول نيومان أو ايرول فلين او جوليانو جيما فنرى ملامح جون واين القاسية و نقرر الدخول لمشاهدة فيلمه (سجينة الصحراء) الذي تجري احداثه في تكساس عام 1868 وهو يؤدي دور اميركي يبحث عن إبنة أخيه التي خطفها الهنود الحمر، وخلال مغامرته تتغير نظرته العنصرية ويتفهم الهنود وبالرغم من كون واين متعصبا لنموذج الأميركي السوبر فأن فيلمه هذا من بواكير الأفلام التي قدمت صورة منصفة عن سكان البلاد الأصليين وهو من أهم أفلام المخرج جون فورد الذي جمع في هذا الفيلم بين الأسطورة والواقع بإعتماده على أصول الوستيرن والابتكار فيه.. و نواصل طريقنا نحو الباب الشرقي و نحن نطالع يافطات “الوطني” و “ركس” و “روكسي” .وفي ساحة التحرير بالباب الشرقي نتفرج على واجهات صالات “غرناطة” و “ميامي” و “الحمراء” المتجاورتين، و كذلك “الرصافي” و “شهرزاد”. بعدها نتمشى في شارع السعدون و نمر بالصالات التي تخصصت بعضها بالأفلام العربية مثل سينما النصر و بابل والأخرى التي تقدم الأفلام الهندية مثل “سميراميس” و “النجوم” و “أطلس” و “السندباد” وقد نشاهد فيلما آخر في حالة عدم شراء كتب جديدة او لفات عمبة كما حدث ذات مرة وشاهدنا فيلم (من أجل حفنة دولارات) بطولة كلينت إيستوود وإخراج سيرجيو ليوني … وبعد إفتتاح سينما الرافدين في مدينة الثورة – الكَيارة بفيلم أهلاً بالحب بطولة صباح و محمد سلمان تيسرت متابعة الأفلام مثل : الشجعان الثلاثة والعنب المر و العصفور و الحب سنة 70 و أفلام عبد الحليم حافظ التي تهرات بسبب الإستهلاك وغالباً ما ينقطع الشريط فيصرخ الجمهور: لك اعور.. فيجاهد الفني من اجل تصليح العطب بسرعة .. كان هذا قبل أن تتحول بعض دور السينما الى عرض أفلام السكرين الرديئة أيام الحصار او تتحول الى مسارح أو مخازن أو… أطلال ..








