حوارات وتحقيقات

"يم العيون السود ماجوزن انه .. خدج الكيمر انه اتريك منه" بائعات القيمر .. مهنة لاتخلو من المتاعب

الحقيقة / وكالات 

 

مهنة شعبية ظلت على مدى عقود ومازالت الابرز من المهن التي مارستها النساء بانفراد وبطبعتها الاشهى التي اعتادت عليها معظم العوائل العراقية  لما لها من طعم وذوق طيبين وزادت على ذلك حلاوة جمع العائلة على مائدتها الشهية . ففي العراق لاتزال بعض المهن الشعبية القديمة موجودة ومستمرة ومحافظة على حلتها الشعبية وعلى زبائنها دون انقطاع رغم كل ماجرى من تدهور في اغلب مفاصل الحياة في هذا البلد ، ومن ابرز هذه المهن القديمة هي (بيع القيمر) او ما يُسمى بـ (قيمر عرب) وهو قشطة الحليب التي يعتاش منها الكثير من الكسبة من الرجال والنساء على السواء اذ يعرف كل العراقيين هذا النوع من القيمر الذي هو مشتقات الحليب  اعداده يتم في البيوت بدلا من المعامل ورغم ان كل الزبائن يعرفون ذلك وما قد تتخلل طريقة اعداده لكن الاقبال علية مستمر دون انقطاع حتى الان. وهو وجبة دسمة جدا قد تتسبب بارتفاع نسبة الكولسترول في الدم. لكن ماتعود عليه العراقيون من الصعب تغييره فاكرام الضيف وابراز كرم المضيف لايكون في الصباح الا بصحن كبير (صينية) من القيمر. ويؤكل عادة مع الشاي ووفق راي الاطباء فان هكذا وجبة تضر اكثر مما تفيد الجسم اذ يتسبب شرب الشاي مع الاكل بفقدان معظم العناصر التي قد تفيد الجسم خاصة عنصر الحديد. بائعات (كيمر العرب) في غالبية أسواق بغداد ، كما يبعن الالبان والزبادي والحليب المنتج في المناطق الريفية، كما هو الحال في معظم أرياف العراق. لم تكن هذه المهنة وليدة اليوم بل تعود إلى زمن بعيد ربما لقرون مضت، يطلق العراقيون على بائعات القشطة تسمية (أم الكيمر) أو (المعيدية)، وعادة مايتواجدن ببضاعتهن مع كل صباح قرب الأفران والمخابز، حيث يفضل العراقيون تناول القشطة مع الخبز الحار، فضلا عن تواجدهن قرب مرآب السيارات أو ساحات وقوف العمال. وتنتشر بائعات القيمر في مدن الجنوب وفي المناطق الشعبية في العاصمة بغداد التي ينحدر سكانها من جنوب العراق بسبب اعتماد صناعة القيمر على حليب الجاموس التي ماتزال بيوت عدة في اطراف العاصمة تحتفظ بمجمعات منها لكسب قوتها. لكن بعض البائعات يعتمدن على الابقار في صناعة القيمر لكن سمك القيمر ونسبة الدسم فيه تكون خفيفة. ولايكتفين ببيع القيمر وحده عادة انما في النهار والمساء يبعن اللبن الرائب. حتى سمين احيانا ببائعات (الروبة) واشتهر المعدان بذلك. وهم المنحدرون من عمق اهوار العراق.

*التقينا مع عدد من البائعات، للتعرف على هذه المهنة النسوية الشعبية، وكانت البداية مع ام خضر، التي أكدت أنها اكتسبت هذه المهنة من ام زوجها (حماتها)،  قبل مايقارب الثلاثين عاما، وهي الآن تستقبل زبائنها مع كل صباح. وقالت ان” ممارسة مهنتي اليومية تبدأ من خلال شراء الحليب من القرى وبعد مرحلة نقله الى داري بمساعدة ولدي خضر ،  أقوم على الفور ببيع الوجبة المجهزة من القيمر وصحون اللبن،  اقوم بعدها بعملية تصفية الحليب، ومن ثم غليه على النار و تركه مدة ثماني ساعات، لتبدأ بعد ذلك عملية جمع القيمر المتوفر باثر تلك العملية وجمعه في وعاء آخر ، ثم اضع عليه قطعة قماش بيضاء، ثم اضعة في الثلاجة كي يتماسك ليتم تجهيزه للبيع في اليوم التالي”. واشارت الى ان المنتج لديها من الالبان يتم بيعه على نحوين الاول قيمر والاخر لبن”. واوضحت ام خضر “بانها مسرورة في ممارسة مهنتها برغم المعاناة في طريقة التحضير والمشقة في البيع الذي يبدا من الصباح الباكر حتى ساعات الضحى لحين انتهاء بضاعتها”.

*اما بائعة القيمر ام عدنان /45/ عاما فتقول: انني امتهنت بيع القيمر منذ نعومة اظافري حينها كنت اساعد امي بعملية التحضير لعمل القيمر حتى اصبحت محترفة في التحضير والبيع. واضافت ان “البيع اليوم ليس مثل السابق حيث بيعنا اليوم يعتبر ضعيفا قياسا بالسابق بسبب ارتفاع اسعار القيمر، حيث بلغ سعر الكيلو الواحد 14 الف دينار، بسبب ارتفاع اسعار الحليب مما جعل الناس يقبلون على المعلبات من الجبن والقيمر واللبن”. وأكدت ان” هناك سمة غالبة لمن يمارسن هذه المهنة وهي لبس السواد كونهن دائما بتماس مع الرجال، وكون الملابس السوداء كشعار تتخذه النسوة للحشمة والوقار والهيبة امام عامة الناس”.

*وتفضل الحاجة ام كاظم/ 47 /عاما ، القشطة العربية، برغم من ان الاسواق المحلية امتلأت  بشتى أنواع المنتوجات الصناعية للالبان. وقالت: انها تفضل قيمر العرب لان صناعته خالصة، فضلا عن معرفة مصدره ، على خلاف المعلبات القادمة من خارج العراق، والمنتشرة في المحال التجارية.

*وقد استخدم ناظم الغزالي كلمة القيمر في اغنيته يا ام العيون السود حين يقول خدك القيمر وانا اتريك منه اي انه يتناول طعام فطوره من خد معشوقته التي شبه خدها بالقشطة اي القيمر. ولا يخلو اي قطاع او محلة في اي منطقة في العراق من بائعة للقيمر حيث ان اكثر من 90% من بائعي القيمر هم من النساء كبيرات السن ويتواجدن قرب المخابز والافران ويعتبر (القيمر والمربى) وجبة فطور معروفة ومرغوبة جدا لدى الجميع ، و يتواجدن قرب المراقد المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية حيث الزوار الذين يبيتون هناك يفضلون القيمر صباح كل يوم. ومن العادات الشعبية المعروفة لدى العراقيين ان يقدم القيمر كوجبة فطور للشباب المتزوجين في الايام الثلاثة الاولى من الزفاف.

*وعند تجوالنا الى بعض بائعي وبائعات القيمر لاحظنا بعض التباين في النوعية والاسعار ولم نجد توافقا بين رأيين فكل منهما يعتبر بضاعته هي الافضل والاطيب من غيره ، كما ان بعضهم يتهم غيره بالغش!!! لكنهم يجتمعون في امر واحد وهو ان القيمر طيب ولذيذ لدى الجميع. 

*(ابو عبد) يبيع القيمر منذ زمن وهو من سكنة مدينة الصدر يقول انه يشتري الوجبة اليومية من مدينة الكاظمية وبالتحديد من (سوق الملحاني) المعروف حيث يصل سعر الصينية الى (40000) اربعين الف دينار مايعادل 30 دولارا.

*اما (ام علي) فهي من خلال الجاموسة التي تملكها تعمل القيمر في بيتها وتبيعه في اليوم التالي وهكذا وهي تبيع كل الوجبة صباح كل يوم لتتهيأ لوجبة اليوم التالي. وبعد الساعة الثامنة صباحا تكون قد اكملت بيع كل الوجبة من قيمر العرب وتقول مامضمونه: يوجد بعض الباعة يجلبون القيمر المغشوش الذي هو عبارة عن طبقتين خفيفتين من القيمر وفي منتصفهما جبن ويُسكب عليهما الحليب ليكون وكأنه قيمر ثخين الذي يفضله الزبائن اكثر من القيمر الخفيف.

*وتشتهر بعض المدن بأكلاتها الشعبية المميزة والتي تقترن باسم المدينة نفسها، الكل يعرف الكبة الموصلية ولبن أربيل ومعسل البصرة والدليمية وقيمر الحلة والسدة. ويعتبر قيمر الحلة من افضل انواع القيمر المنتج حتى اصبح يضرب فيه المثل. والقيمر مادة غذائية جيدة وافطار الصباح الشهي واللذيذ خاصة مع العسل ويستخدم القيمر مضافاً إلى بعض الحلويات مثل كاهي بالقيمر والكنافة والبقلاوة بالقيمر وغيرها. وكما هو معلوم فان بائعات القيمر ينتشرن في المحلات الشعبية والاسواق فلا تخلو محلة من احداهن وقد حملت اطباق القيمر بطريقة مميزة على الرأس فهي إما تدور عارضة القيمر مع شروق الشمس كل صباح مرددة بصوتها القوي المسموع.. قيمر … قيمر… او جالسة في موقع متميز وقريب على الجميع.. وقد كانت بائعات القيمر قبل سنين يستخدمن الاواني الفخارية اما اليوم فالاواني الورقية البلاستيكية هي السائدة.

كيفية عمل القيمر

يجمع الحليب المستحصل من الجاموس حصراً وذلك لتميزه بالدسومة ويوضع في اناء عريض “طشت” فوق نار هادئة ويحرك الحليب باستمرار تحريكاً جيداً بواسطة عصا خشبية وبعد ان ينزل من على النار توضع فوقه سلة مقوّسة ويغطى غطاءً جيداً ويترك من الليل حتى الصباح الباكر حيث يكشف الغطاء عن الاناء وعند رفعه نجد ان الطبقة الدهنية العليا قد ارتفعت إلى الاعلى فيما بقي الحليب الخالي من الدسم في اسفل الاناء ويسمى (البوش) .

استخراج القيمر

يحدد اطار الاناء الصلب بواسطة ملعقة او سكينة ومن ثم يثقب من وسط طبقة القيمر التي تصبح بعد تحريرها من الاناء عائمة، عند ذلك يتم ادخال كمية كبيرة من قطع الثلج من خلال الفتحة الوسطية لغرض تماسك وتجانس القيمر نتيجة للبرودة الشديدة. بعدها يقطع القيمر كما يقطع قالب الكيك وترفع القطع الواحدة بعد الاخرى بطريقة نظامية وبدون فوضى وتوضع في المكان المخصص.

اللبن الخاثر

حين الانتهاء من رفع القيمر يؤخذ الحليب غير الدسم والمتبقي في الانار ويوضع على النار بعد وضع الخميرة عليه ويغطى من جديد  للاستفادة منه في صناعة اللبن الخاثر  والذي يترك ايضاً حتى الصباح مغطى كي يروب وتؤخذ منه الكمية التي يحتاجونها وما يزيد منه يوضع في قطعة بيضاء قطرها متر مربع وتربط القطعة من الاعلى بعد وضع اللبن المتبقي فيها ويوضع عليها ثقل لكي يتم نضح الماء منها وتستغرق هذه العملية ثلاث ساعات، وبعد رفع الثقل وازالة قطعة القماش يخرج طوق من الجبن يقطع حسب الحاجة. ان هذه العملية تقوم بها النسوة عادة حتى غدت احداهن تستطيع اعداد القيمر والجبن وهي معصوبة العينين.

تجارة القيمر

لان نقطة ضعف القيمر الحرارة فإن صناعه وباعته يحتاجون إلى الثلج حتى في فصل الشتاء لابقاء الدسومة والتماسك لذلك يصعب ايصال القيمر إلى المحافظات البعيدة ويقتصر شراؤه على المحافظات القريبة للمدينة ، اما المحافظات الجنوبية والشمالية فيقومون بنقل القيمر بطريقة مثلجة خاصة بهم.

 

اسعار القيمر

يتجاوز سعر القيمر اسعار اللحوم نظراً للاقبال الشديد عليه، غير ان اسعاره تنخفض في شهر رمضان الكريم لعدم افطار الناس في الصباح، وكذلك لعدم رغبتهم في تناوله بالسحور لانه يسبب للصائم العطش والجوع.

ويبقى القيمر الهدية المفضلة التي يقدمها رب البيت إلى عزيز عليه او إلى عائلته… أو إلى عروسين في صباحهما المفعم بالسعادة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان