ثقافة شعبية

مظفر النوّاب .. "النهر الأمين لمجراه" قراءة في كتاب (مظفر النواب .. الظاهرة الاستثنائية) للشاعر كاظم غيلان

حربي محسن عبد الله

 

مظفر عبد المجيد النواب الشاعر العراقي المعاصر والسياسي الذي شغلتْ قصائده الناس من الماء إلى الماء في هذه البقعة من العالم التي تمور بالأحداث، هو موضوع الكتاب الذي بين يدينا، للشاعر والكاتب الصحفي «كاظم غيلان» بعنوان (مظفر النواب .. الظاهرة الاستثنائية) الصادر عن دار مكتبة عدنان في بغداد. هذا الكتاب عبارة عن دراسة من عدة حلقات تتناول العديد من الآراء والقناعات التي يبوح بها مظفر بيقين راسخ، وحدس يُحسد عليه. وكشهادة حية عن النواب يقدمها الكاتب يتمنى أن يكون فيها شيء من الوفاء للشاعر الكبير، يقول الكاتب: «ما وجدتُ شخصية تتمتع بتواضع كالذي يتمتع به (النواب)، فلم أسمع منه كلمة تجرح أحداً، حتى لو كان هذا (الأحد) يهاجمه، إنه يكتفي بالصمت، ولربما هو الرد الأمثل الذي نفتقر إليه، ولم أسمع منه انتقاصاً من تجربة شاعر، أي شاعر كان، له آراء في كل شيء، السياسة، الاقتصاد، الشعر، الفلسفة، وهو عاشق من الطراز النادر، لكنني ما وجدت عاشقاً لبغداد يضاهي عشقه لها». يقف الكاتب أمام البعض من القصائد القصيرة والقديمة، وثمة ما يمكن إحالته إلى أدب السيرة، إلى جانب آراء وانطباعات، كان قد قالها النواب ضمن لقاء تلفزيوني أجراه معه التلفزيون العربي السوري في ثمانينيات القرن الماضي وصل إلى يد الكاتب على شكل كاسيت في حينها.

ننتقل إلى الحلقة الأولى من الدراسة، وقد خصصها غيلان للحديث عن حركة التجديد في شعر العامية العراقي ليقف عند الظاهرة النوابية، ويتساءل بشيء من الاستغراب والإعجاب الشديد والمحقّ، بالطبع، بالكيفية التي تمكن فيها شاعر بغدادي الجذور، بيئة ولغة، من احتواء مفردات لهجة أعماق الجنوب العراقي وتوظيفها، بل ينطلق منها إلى حيث آفاق الحداثة. وهو هنا يشارك رأياً للشاعر العراقي الراحل عزيز السماوي الذي يرى «أن وحدة التفعيلة ظهرت في الشعر الشعبي العراقي قبل ظهورها في شعر الفصحى، وأول الحداثة ظهرت في هذا الشعر في العشرينيات من القرن الماضي في العراق، أي قبل أن تظهر عند السياب ونازك الملائكة». هنا يحتكم الكاتب إلى الشاعر النواب نفسه للإجابة عن تلك التساؤلات:

“رحت في عام 1955 – 1956 إلى أهوار العراق إحدى مدن جنوب العراق الرئيسية والتقيت هناك في مغنين في المنطقة هم (غرير) و (جويسم) و(سيد فالح)، وقد ذهلت فعلاً للغنى الموجود في غنائهم، وتكشف لي منهم عالم مهمل، ولكنه عالم مملوء بالجمال من الصعب أن نجد عالماً بديلاً عنه، ويمكن أن يسد حاجة كبيرة في إمكانات الخلق لدي، كما لو كنت وجدت طينة معجونة جداً ومخمرة جيداً لتشتغل عليها تمثالاً أو تصنع منها شيئاً، فهذا العالم، عالم مختمر، بما فيه من طين وماء وللقصب وأصوات الجواميس، كنت أمام عجينة حية تماماً تنتظر ممن لديه فهم للعناصر الشعرية الحديثة لينتبه اليها ويشتغل على هذه المادة الخام الهائلة التي لا تنضب منابعها”.

في الحلقتين الثانية والثالثة يتوقف الكاتب عند الوطنية لدى الاتجاه الجديد الذي يمثله النواب في الشعر الشعبي العراقي، فالوطنية هي الإرث الذي استند إليه وعمل على توظيفه عبر العديد من الانجازات الكبيرة بوصفه خطاباً للتأججات التي زخرت بها حركة اليسار العراقي وما خاضته القوى الوطنية من معارك ومآثر بطولية تاريخية، ولاسيما في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ويتناول ما أهمله النقد لما أنجزه النواب من قصائد ذات منحى ملحمي جسّد تجربة عامرة بالثورة والاحتجاج، ويشير إلى ولع النواب بالأهوار عندما يقول “الأهوار هي الموضوع الذي ساعد على تفتح كل الأشياء فيّ، فالهور ليس مجرد مكان إنما هو زمن وروح أيضاً، كما أن الكتابة في الشعر الشعبي العراقي قاصرة إذاً لم تفهم روح الهور”.

القسم التالي من الكتاب يضم حوارين الأول أجراه الكاتب «كاظم غيلان» مع النواب والحوار الثاني للصحفي علاء المفرجي يساهم فيه الكاتب لينشر في جريدة المدى العراقية. وفي معرض إجابته عن سؤال فيما لو أن الشعر العامي بالنسبة له قد استنفد أغراضه؟

يجيب النواب: “يساورني شعور غريب أن الشعر العامي أدى مهمته العظيمة، ونحن على أبواب مرحلة جديدة في الشعر العامي، ربما ستظهر إرهاصاتها الآن. كتبت في الفترة الأخيرة عدداً من القصائد، لكن العائق كان مرضي (باركنسون) .. أصبحت أكتب سطراً ويضيّع الثاني عليّ المعنى، هذا من خصائص المرض، وحتى أتغلب عليه بدأت بكتابة قصائد قصيرة، أكثّف أقصى ما أستطيع، أكتب وأحفظ، أضع البناء الكامل للقصيدة حتى أحفظها”.

قبل أن نصل إلى خاتمة الكتاب وهي عبارة عن أوراق من قصاصات كتبها النواب ثمة صفحات لقصائد مختارة ولكتابات بخط يد النواب مصورة فيها آراء وقصائد. نقرأ في إحدى القصاصات:

“إننا نخضع لحدٍ بيولوجي وشرطٍ اجتماعي. طاقة الإنسان على القدرة أكبر – من الحد والشرط. لا أؤمن بحتمية تاريخية مجردة .. هنالك حتمية موضوعية، أما الحتمية التاريخية فهي فعل الإنسان وعلاقاته. مازلنا حتى الآن فعل التاريخ الإنساني العشوائي”. ثم نجد في قصاصة أخرى ما كتبه مظفر النواب عن رأيه بالشعر الشعبي فيقول: “أما الشعر الشعبي، فهو أنقى فيّ..لأني أكون في الناس من خلاله..لأني مع الصورة والموسيقا والحس مباشرةً.. همومي هنا تمتزج بهموم الفلاحين وتحدياتهم .. أو انسحاقهم .. في الشعر الشعبي تنمو التجربة بعنف، لأني بدون المعجم .. بدون الاغراقات اللغوية .. بدون الهموم الفلسفية المجردة..إنه لقائي وفرحي بالناس.. فرحي وحزني واحتجاجي.. والنشيد الهادر الذي يسبق الثورة .. وارتباطي بما حولي”.

نختم هنا بما نقله لنا الكاتب غيلان عن طفولة النواب وبدايته مع الشعر عبر قصاصة تتحدث عن محلة شعبية في بغداد حيث وُلد النواب في عام 1934 يكتب فيها متذكراً: “الأهازيج والأفراح والطقوس الحزينة، والأزقة والشناشيل.. وبيتنا على النهر مقابل السراي الحكومي .. في الثامنة من عمري، كتبت أولى محاولاتي الشعرية. كنت أحب قص الورق.. أربك البيت بالأوراق المقصوصة، وأحب أن أجمع الشمع الذائب في الأعياد لأصنع شموعاً جديدة. يوم كدت أن أحرق البيت”.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان