خالد العبيدي
المقترح الذي تقدمت به لجنة العشائر البرلمانية بالاتفاق مع بعض الشخصيات المعروفة ممن فقدوا صفتهم كإقطاعيين الى مجلس النواب بصفته السلطة الرقابية والتشريعية للمصادقة عليه وجعله قانونا رسميا معترفا به من الناحيتين القانونية والتشريعية، بحجة أنه سيساهم بتنظيم الحياة العشائرية ويحل الخلافات والمنازعات التي قد تحدث بين ابناء العشيرة انفسهم او تلك التي قد تتعداها الى العشائر والقبائل الاخرى لاي سبب كان يعتبر ردة فعل غير مسبوقة للعودة الى الوراء واعادة الحياة لمن تم دفنه قبل اكثر من خمسة عقود ونصف من الزمن وانتهى امره ولم يعد له مكان، ففي ظل النظام الملكي كان العراق مقسما على شكل مقاطعات يتحكم فيها رجال عرفوا بولائهم للنظام المذكور وارتباطاتهم المشبوهة بالاستعمار البريطاني الذي فرض سيطرته وهيمنته على العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 واستمر فيه حتى مجيء ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي اقتلعته وانهت تواجده وقضت على مخططاته وعملائه، وكان من بين اولى خطواتها هو الغاء ما يسمى بقانون العشائر وانهاء عهد الاقطاع وانتزاع كل ما استحوذوا عليه من اراض وجداول ماء وسلموها الى اصحابها الشرعيين الذين عاشوا حقبة طويلة من الزمن في ظل نظام اشبه بالكابوس المظلم ودفعوا الكثير من حياتهم لمستغليهم ومستثمري قوتهم، واصبح الاقطاعي وسماسرته ومرتزقته من السراكل اسيادا على اسيادهم بفضل ذلك القانون وما وفره لهم من دعم وتخويل ومنحهم سلطة التحكم والفصل والتقرير واعتبرهم حكام جزاء من الدرجة الاولى، وشعر الفلاحون بأن كارثة هبطت على رؤوسهم بحيث جعلت حياتهم اشبه بالجحيم لها اول وليس لها اخر، واضطرتهم الظروف لمغادرة قراهم وترك اراضيهم والتوجه الى المدن للبحث عن عمل يبعدهم عن ظلم الاقطاع ويعيد لهم كرامتهم ويجعلهم يشعرون بأنهم بشر مثل بقية الناس واليوم، تتردد الى مسامعنا أن هناك خطوة ممنهجة ومنظمة يراد من خلالها إعادة الحياة لذلك القانون وجعله الفيصل في حسم المشاكل والمنازعات التي قد تحدث هنا او هناك واعطاء شيوخ العشائر والاقطاعيين الجدد شرعية مسك الارض وامتصاص غضب الفلاحين بالطرق التي عهدناها منذ زمن بعيد وبمسميات جديدة تبعد الانظار عن تلك الممارسات وعمليات القهر والاستحواذ واعطاء المبررات على ان الدولة من اجل ان تتخلص من ازماتها وتعيد الامور الى مسارها تحتاج لهذا القانون !!
وهنا لابد لنا من التقرب والانجرار الى الحقيقة والاعتراف بأن العراق هو مجتمع عشائري ليس اليوم بل منذ القدم ومن حق ابنائه ان يتفاخروا بانتماءاتهم بالحسب والنسب وبعشائرهم التي ينتمون اليها وبالقابهم ولكن ينبغي ان تجدد الدولة صلاحية وسلطة رئيس العشيرة وتضع الضوابط والاسس الصحيحة لتحركاته وممارسة صلاحياته ضمن السياقات التي لا تجعل منه شريكا لها وان يلتزم بتوجيهاتها والرضوخ لقراراتها وقوانينها، ولكي لا تلاقي صعوبة في فرض ارادتها وسيطرتها وتحافظ على هيبتها ومكانتها يفترض اولا وقبل كل شيء وضمن حساباتها المستقبلية وهي :-
1 -إعادة النظر فيما شرعه الدستور بهذا الخصوص ولاسيما المادة ( 75 ) الفقرة 4 منه والمتعلقة بجعل السلاح بيد الدولة وتحريم حملة واستخدامه من قبل المعنيين الا بعلمها وبموافقتها ومتى ما يتطلب الامر ذلك وخاصة في ظروف الحرب وبالدفاع عن ارض الوطن وحماية اهله وعرضه ومقدساته وفرض عقوبات صارمة ومشددة على كل من يتجاهل هذه التعليمات ويخرج عنها او يرفض الاطاعة والامتثال لها بأي شكل من الاشكال، وهذا الامر ينبغي ان لا يقتصر على العشائر وحدهم فحسب وانما يجب ان يشمل الجميع.
2 – حل النزاعات العشائرية التي قد تحصل هنا او هناك وفي أي بقعة من ارض العراق بالطرق السلمية والعقلانية وبتدخل وعلم الدولة وقوانينها وانظمتها المرعية وسلطتها الادارية والقانونية .
3 – عدم تخصيص ميزانية مالية لاية عشيرة سواء اكان لشيوخها او بعض من افرادها لاي سبب كان وجعل الامور تجري ضمن اطارها المرسوم لان كل ما تقوم به العشائر تجاه العراق هو جزء من واجبهم ومسؤولياتهم الوطنية وان ادراج أي مبالغ لهذه الاغراض يعتبر مخالفة دستورية وهدرا للمال العام الا في حالة تطوع بعض ابناء العشائر في القوات المسلحة والحشد الشعبي الذي هو جزء من المنظومة العسكرية فتكون رواتبهم ضمن هذه المؤسسات ولا تعطى لرؤوساء العشائر بحجة توزيعها عليهم وهذه الحالات وهو أمر متعارف عليه في كل زمان ومكان ولدى جميع دول العالم وفي حالات الحرب والقتال ومواجهة اعداء البلاد ، فإذا كان هناك فعلا التزام بهذه الاوامر والتعليمات من قبل زعماء العشائر وافرادها واحترام للقوانين وسلطة الدولة وتصب في بودقة خدمة العراق وتحقق الوحدة الوطنية وتحافظ على النسيج الوطني العراقي ويتعامل الجميع على اساس ( الملك لله والوطن للجميع ) فإنه بلا شك سيوفر المناخ الملائم للامن والاستقرار لعموم البلاد ويعزز الروح المعنوية لقوات جيشنا الباسل ويدعم مسيرته الظافرة ضد الاعداء الذين يتربصون به من كل حدب وصوب ويعجل في تحقيق الانتصارات والسلم المجتمعي ويوفر الحماية والضمانات لافراد العشيرة قاطبة ويخلق روح التوافق والانسجام بين الجميع ويضعهم ضمن الاسس والسياقات التي لا تتعارض واحكام القوانين ، وهناك حقيقة ينبغي ان لا تغرب عن البال أن هناك تخوفا وقلقا متزايدا يراود الجميع من أن هذا المقترح قد يلاقي استجابة وترحيبا من قبل اعضاء مجلس النواب ويأخذ طريقه الى القبول والتنفيذ وعلى محمل الجد وليس على سبيل الافتراض ،أن يتولى المجلس تشكيل هيئات تشريعية تتولى مسؤولية المباشرة بدراسته واقناع المعترضين عليه باهميته وضرورة الموافقة عليه ويمرر حسب السياقات والاجراءات المتعامل بها والتي باتت معروفة لدى الجميع وهنا تسكن العبرات واذا حدث والعياذ بالله ذلك فسوف تكون هناك كارثة ومردودات وعواقب وخيمة تنعكس سلبا على الواقع الاجتماعي وما يعانيه البلد من مشاكل وازمات وسيجعل فكرة الدولة المدنية بعيدة المنال.
فلماذا اذا اعادة الحياة لمن مات قبل عدة عقود من الزمن ولم يقرأ عليه أحد الفاتحة حتى هذا اليوم .
ولمصلحة من تجري هذه الخطوات !! .







