في سوق مدينتي الجميلة يتنوع الباعة ويعج السوق بالمتبضعين، من اهل المدينة. والقرى المجاورة وسكان الأهوار الذين تأتي بهم الماطورات النهرية البخارية، وكانت جميلة لها سطوح خشبية، تساعد في حمل خيرات الاهوار من الدجاج والبيض والخريط والأسماك بأنواعها والطيور الحرة مثل الخضيري والمسكي وكلب الماء والبراهين وكذلك الأبلام (الزوارق النهرية والمشاحيف) . كانت تقف امام شريعة الحاج جاسم فليح والشريعة هي مكان وقوف الماطورات والابلام، ومحل الانطلاق الى المسطحات المائية والاهوار ولان مدينتنا عرفت بكرمها وسخائها حتى لقبت بـ ( شكارة الحسين ع) وتقاليدها العشائرية في اكرام الضيف وقضاء حاجاته مهما كانت! فلا نعرف المطاعم والفنادق وبيوتنا هي مطاعم الغرباء والضيوف، ولكن كانت هناك بسطيات صغيرة للمأكولات الشعبية. تفرش الحصران والبسط الجميلة، التي تحاك يدويا، منها قدور الكبة المسلوقة والتي يصاحبها المرق والكبة المقلية بالدهن، واشتهر في بيعها المرحوم حميدي والمرحوم حسين والمرحوم فارس . وكان يضاف الى اسمائهم ابو الكبة_ ومن لم يعرف هؤلاء الناس فهو ليس منا بالتأكيد. لكن المرحوم كاظم الحاج حسن الحلفي اشتهر بنوع اخر من الطعام وهو الفشافيش، وهي من ملحقات المعلاك. حيث يعده بقدر كبير مع خبز الاعاشة الذي كانت تدعمه الحكومة وكان سعر الرغيف5 فلوس، وكذلك قدر الفراسم ، وهي ارجل الاغنام والماشية. كانت ترافق القدور صحون من الفافون الصغيرة. يوضع فيها مقدار الفشافيش او الفراسم مع الخبز وكلٍ يفضلها على طريقته الخاصة، فمن يريدها تشريبا مع الخبز اويكون الخبز الناشف مع ماعون صغير. وكان زبائن العم ابو جواد من الوافدين من القرى القريبة ومن سكان الأهوار الذين يبيعون حوائجهم المجلوبة، وشراء ما يحتاجونه من السوق من اقمشة، او مواد من سكر، ومساحيق، وغيرها. كان موقعه برأس السوق ومدخله من جهة حسينية بيت الحلو بقرب مدرسة الشموس الابتدائية للبنات صباحا، وعصرا بظهر الجامع الكبير وفي الفترة الاخيرة امام دكان المرحوم الحاج هادي قريبا من دربونه ام الكروش، وغالبا ما كان البريمز تحت القدور فيجعلها سوداء نتيجة السخام المتولد، وهناك ترمز الماء المصنوع من الالمنيوم (الفافون) يصنعه المرحوم سيد عيسى الطالقاني، وهو يردد: فشافيش لوز يا ولد طيبة ولذيذة ياولد . وفراسم دهن ، فراسم علوج ياولد.
كان يرافقه في العمل احد اولاده الصغار لتوزيع الطعام وجمع الصحون وغسلها. ومن المفارقات الجميلة التى اتذكرها، انه جاء الى المدينة دكتور شاب وسيم، وشهم، واريحي، يرتدي بنطلون الكابوي الازرق دائما، اسمه الدكتور صباح بولص وكان مديرا لمستشفى المجر الكبير، وكان يخرج دوريا لفحص سوق اللحم والمرافق التي تحتاج الى رعاية الفحص الصحي، فجاء يمشي ووصل الى مكان العم كاظم، وهو يصيح اهلا دكتور تفضل دكتور(فشافيش تلوك لهل حلك فراسم مريس). ومعنى مريس انها مطبوخة جيدا تتقطع حين لمسها، والدكتور يبتسم ويضحك بقوة ممازحا ابو جواد قائلا له:
عمو اني محتار؟
وهو يقول له خير دكتور_ الله لا يحير عبده
فرد دكتور صباح:
هل احرقك ام احرق هذا القدر الاسود لا ادري. _ ملاطفا له_ وابتسم الجميع.
فقد كانوا يحرقون المواد التالفة دائما ولان الجدر كان اسود جدا من كثر سخام البريمز. رحم الله ذلك الزمان فقد كان طعم الفشافيش اطيب من كل مأكولات الدنيا . وكان الناس يمتازون بالبراءة ويمتلكون قلوبا يملؤها الطيب . رحم الله عمنا ابو الفشافيش، ورحم الله موتى مدينتي المجر الكبير اجمعين.









