العنوان
عنوان الفلم ، مانشستر على البحر ، له دلالة واضحة ، حتى نهيء المشاهد للتالي من احداث ، فهذه المدينة حسب ما يطرحه الفلم ، مدينة هادئة ، ما زالت العديد من التقاليد والثوابت راسخة فيها ، خصوصا العلاقات العائلية ،وعلى من تركها من أبنائها ان يعود لذاك الرتم الذي يسود المدينة ، فكيف بابن غادرها مجبرا بسبب وضعه النفسي المتأزم ان يعود ليتحمل مسؤولية كبيرة ، ربما لا يستطيع تحملها ، وبهذا يهيئنا المخرج وكاتب السيناريو كينيث لونيرغن الى الاتي من الاحداث بحرفية جيدة .
الحكاية
لي شاندر ” Casey Affleck ” شاب يعمل في تصليح الحمامات وفتح مجاري تصريف البيوت المغلقة ، لا يتكلم كثيرا ، يبدو هادئا جدا ، لا يخضع للمغريات ” حين تحاول صاحبة احد البيوت التي يصلح حمامها باستدراجه ” لكنه عصبي وينفجر في أي لحظة ، الامر الذي يمهد للمشاهد التعرف على حقيقة شخصيته ، وبالتالي معرفة سر صمته ، وأسباب انفعاله ، يشتكي منه الزبائن ، ربما لكونه غير مجامل وجادا جدا ، في احد الأيام يتلقى مكالمة من مدينته الأم مانشستر ، يخبره المتصل بوفاة شقيقه جو ” Kyle Chandler ” الأمر الذي يضطره للسفر الى هناك ، وترك عمله مؤقتا ، لأخيه جو أبن ، باتريك ” “ Lucas Hedges مراهق بعمر 16 عاما ، أوصى ان يتولى أخوه لي الوصاية عليه لحين بلوغه الـ21 من العمر ، حيث ترك جو بيت وقاربا وبعض المال له ، الامر الذي لا يتحمله لي ، فالذي فيه يكفيه ، وحجم معاناته لا يحتمل المزيد ، حيث نعرف انه كان يعيش حياة عائلية جيدة ، مع زوجته واطفاله ، لكنه وبإهمال منه ، ونتيجة سكره يترك موقد البيت دون غطاء ، الامر الذي يتسبب بحريق يلتهم البيت ومعه الأطفال ، مع نجاة زوجته التي تتركه اثر الحادث ، وهي التي طالما اعترضت على سهرات لي مع أصدقائه في البيت الى ساعات متأخرة ، يرفض الوصاية على ابن أخيه ، خصوصا وانه لم يعتد العيش مع مراهق نزق ، لا يعي الكثير من تفاصيل الحياة ، فيعهد بالوصاية الى صديقه جورج الذي هو أصلا صديق أخيه ، الرجل الذي يعيش في المدينة ويعمل على القوارب ومن ضمنها قارب جو ، لكنه يبقى وان لم يعلن في حيرة من امره ، حول ما يتعلق بترك ابن أخيه هكذا ، خصوصا بعد ان أصبحت العلاقة بينهما جيدة وبدأوا يعتادون على بعضهم البعض ، كذلك ادراك الفتى عمه عليه ، وعدم إمكانية العيش مع والدته التي تشافت من الإدمان وتزوجت من كاثوليكي ملتزم ، والذي بعث له برسالة نصية يعتذر له فيه عن إمكانية استقباله في البيت . لينتهي الفلم بمشهده الأخير ، حيث يسير الاثنان في الطريق ويتحدثان بود .
الاشتغال
طيلة زمن الفلم وتوالي أحداثه تبقى الكثير من الاسرار غامضة ، لكن المخرج كينيث لونيرغن تعمد ذلك ، حتى يبقينا نتساءل ، ثم يجيب عن تساؤلنا بتقنية الفلاش باك ، مبتدئا بحادث حرق البيت وموت اطفاله السبب الرئيسي في تغيير مجرى حياته وسلوكه ، رفض زوجة احد أصحاب المعامل له ، عندما ذهب ليبحث عن عمل ، بعد ان قرر البقاء في المدينة الى الصيف ،واخبار زوجها عدم رغبتها برؤيته ثانية ، ليخبرنا لونيرغن ومن خلال مشهد لقاء لي بزوجته في الشارع ، وكانت قد تزوجت ، واعتذارها له ،بسبب إساءتها اليه وكلامها عنه بعد حادث الحريق وبانها مازالت تحبه ، السبب في ذلك ، اذن كلام زوجته عنه هو سبب كره بعض الناس له في هذه المدينة ، وبالتالي فان رغبته بترك المدينة بسرعة ،وعدم استطاعته العيش فيها لم يأت من فراغ ، بل من السمعة السيئة التي لحقته بعد حادث الحريق .
تقنية الفلاش باك والسرد المتأخر للأحداث من خلالها ، كان العامل الأهم في جعل المشاهد يبقى في لهفة للحصول على إجابات لعديد تساؤلاته. تقنين الحوار الى أقصى حد، وجعل الصورة هي التي تتكلم، كانت احدى ميزات الفلم، كون الاشتغال على البطل، مبنيا على شخص شبه صامت، لا يفصح عما في داخله، ولا يعلن عن مشاعره ” مشهد استضافة والدة صديقة ابن أخيه لهما ، ومحاولة استدراجه ” ونجحت الصورة في إيصال الفكرة والمعنى ، كذلك كان لرسم لوحات جميلة بالكاميرا لمدينة مانشستر ، شوارعها ، ساحل البحر ، الحدائق ، قدر ن منح المشاهد فرصة للاستراحة ، خصوصا وان زمن الفلم 137 دقيقة .
مانشستر على ساحل البحر فلم يحيل المشاهد الى عمق المعاناة التي يمكن ان يتعرض لها أي منا في يوم من الأيام، والنتائج التي تترتب على ذلك، انه فلم يوغل في البعد النفسي لشخصياته، محاولا الوصول الى حلول قد تأتي من داخل أمكنة الأزمة السابقة ، وربما لا تأتي ابدا ، وربما يكون إضافة بعض المسؤوليات كما في حال بطل الفلم ، سببا في تجاوز الازمة الكبرى ، والتأقلم ثانية للعيش في ذات المكان. الفلم ترشح لستة جوائز اوسكار في فئات أفضل فيلم ، أفضل اخراج Kenneth Lonergan، أفضل ممثل Casey Affleck، افضل ممثل مساعد Lucas Hedges ، أفضل ممثلة مساعدة Michelle Williams ، أفضل سيناريو أصلي .