ثقافة شعبية

شذرات غير مؤرخة من حياته جودت التميمي .. شاعرا وإنسانا

 

 

 

في تلك الفترة، كان جودت التميمي قد نشط مع شيوعيي المنطقة في كتابة الشعارات على اللافتات ونظم القصائد السياسية التي كانوا يشاركون فيها في المسيرات الجماهيرية والتجمعات المهنية خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم . ولما كنت وانا الشاب المتحمس في مثل تلك الفعاليات فقد توطدت علاقتي بالشاعر من خلال أحد أبرز الشيوعيين في الوشاش المدعو يوسف الخياط والملقب بابي مصدق ، خال أبناء عمومة الشاعر . ولكون جودت كان ضيفا غير دائـم بين هؤلاء فقد ازدادت ضيافتي له في فترات غير منتظمة ، غير انها انتظمت بعد حادثة معروفة في حينها .

كان يوما في أواخر عام 1961 ، مشهودا في حياة عائلتي ، ساهم جودت التميمي في صناعته الأمر الذي جعله يصبح فيه أحد افرادها، عندما كتب طلبا باسم والدتي الى برنامج ” صندوق السعادة “

كان مقدمه انذاك فخري الزبيدي للاشتراك فيه ، ولكون البرنامج مخصصا لربات البيوت خاصة فقد ظهرت والدتي في الشاشة في البرنامج المبث على الهواء ( يومها لم يكن الفيديو معروفا في تلفزيون العراق ) وبعد أسئلة بسيطة فازت بالاجابة عنها لتخير بين الصناديق لعلها تعثر على صندوق ” السعادة ” فكان بالفعل فتحا لسعادة غيرمعهودة حين اختارت الصندوق رقم (5) لتحصل على الجائزة الأولى والتي كانت عبارة عن كيس تمن وتنكة دهن مقدمة من وزير الزراعة انذاك . الرقم السعيد الذي فتحته المرأة الريفية بغفلة عن الزمن لم يقفل على تلك الهدية فقط ، فعندما تهلل وجه الفائزة بالحبور طلب المقدم من زوجها ان يحضر بسيارة تاكسي ليساعد زوجته في حمل المتاع السعيد ، ولما أخبرته بأنها أرملة تكدر جو البرنامج قليلا لتأتي منحة عبد الكريم قاسم بدارلتلك الأرملة مع مائة دينار . الأمر الذي أثار شهية أربع من المشتركات كن يرتدين أردية السواد تحت عباءات وفوط عراقية مازالت لحد اليوم معروفة ، بمطالبة الزعيم بنفس الاكرامية لكونهن أرامل وبدون معيل أو دور سكن خاصة بعوائلهن . اتصل عبد الكريم سريعا مجيبا طلبهن وداعيا اللقاء بهن في اليوم التالي . كان البرنامج قد تواصل رغم انتهاء مدة عرضه لتنهال هدايا الكرام على والدتي تباعا على شكل نقود او ارض سكنية من مدحت سليمان، وعديد من التحف والأجهزة الكهربائية والمنزلية المختلفة حتى تجاوز وقت البرنامج على الهواء لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة لاستقبال الهدايا  بحضور مدير الاذاعة والتلفزيون المقدم العسكري الذي دخل على الهواء هو الآخر . وتوثيقا للامر ، كانت دار الزعيم لوالدتي عند استقباله لهن قد خصصت في منطقة اسكان غربي بغداد لقربها من محل سكنانا في الوشاش ، استولى عليها البعثيون بعد انقلاب شباط الأسود تحت حجة ان الدار كانت وكرا شيوعيا ، جاء ذلك بقرار صادر من حردان التكريتي عام 1964 . أما الأربع الأخريات فقد سكن في منطقة الأمين ببغداد في بيوت حكومية مماثلة في منطقة سميت حينها ببيوت الأرامل تيمنا باللواتي حزّن على هدية الزعيم وما زالت لحد اليوم .

لما كان جودت التميمي سببا لهذه المنحة الكبيرة ولكونه صديقا سابقا لي ولعائلتي ، فقد تمت اضافته لباقي أفرادها . ومن خلاله تعرفت بالعديد من المطربين والشعراء من كتاب الأغنية في مقدمتهم المطرب والملحن الفنان قاسم عبيد الذي غنى للتميمي أغنية “اني عندي كلب مسكين وحنون ” التي اشتهرت يومها لما تحمل من فرادة جديدة في عالم النص الغنائي العراقي . ولما كان المطرب يمارس خياطة البدلات الرجالية في محل خاص به يقع في قيصرية تحت نهاية جسر الأحرار ” الصالحية ” من جهة الرصافة في مواجهة نهاية شارع النهر ، فقد كنا انا والتميمي من زواره الدائميين الذين تحملهم كرم نفس ذلك الفنان الانسان والمبدع ذو النزعة اليسارية من غيرجزع او سأم .

    في ذلك المحل ( المنتدى ) الفني علاوة على مقهيين مشهورين كانا يقعان في الصالحية قريبا من دار الاذاعة العراقية، تعرفت بالمطربين والملحنين والشعراء من كتاب الأغنية علاوة على مقدمي البرامج المنوعة الأخرى أذكر ممن كانت لي معهم صلاة صداقة واعجاب : المطرب عبد الجبار الدراجي وشهيد كريم ومجيد الفراتي ومحمد قاسم الأسمر ، الذي تربطنا به علاقة قديمة يوم كان سائسا لخيول رجل تركي الولادة يسكن قرب دارنا يدعى ” رستم ” حول جزء من داره مربضا لخيوله . كما تعرفت بالفنان الملحن المبدع محمد نوشي الذي كان يمتهن نفس مهنة الفنان قاسم عبيد في محل يقع داخل زقاق صغير من أزقة شارع الرشيد في منطقة السنك قرب البريد المركزي مجاورا لمحل الخطاط المعروف انذاك ” خالد الخالدي ” والذي ربطتني به صداقة حميمة بعد تعرفي عليه في معتقل ” الفضيلية ” أثناء أحداث مطالبتنا لعبد الكريم قاسم بوقف حربه مع الأكراد تحت شعار ” السلم في كردستان ” . كما كانت تربطني علاقات صداقة خاصة بمقدم برنامج الشعر الشعبي المعروف بـ ” أبو ضاري” المرحوم سالم خالص شقيق الكاتب والسياسي صلاح خالص رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة ، في تلك الأيام كانت لقاءاتنا انا وجودت التميمي بابي ضاري كثيرة من خلال المقهيين أو في مدرسة خديجة الكبرى الابتدائية في سوق الصدرية المعروف ، يوم كان ابو ضاري مديرا للمدرسة . ولكرم استثنائي وروح أريحية كان يتميز بهما الشاعر والمدير الراحل ، خص صاحبي بحبه ، كان الراحل غالبا ما يضيفنا في داره الواقعة انذاك في منطقة اسكان غربي بغداد ” دور السود ” . ولما كان نصيب نصوص التميمي للمطرب والملحن الفنان رضا علي تشكل حصة الأسد ولكوني انا والشاعر كنا صنوين لا نفترق الا نادرا ، فقد توطدت علاقتي أنا الآخر بالمطرب الراحل الذي كان يزورنا في دارنا في الاسكان في مناسبات خاصة كان يقع في بعضها ضحية مقالب وقصص غيرحقيقية للتميمي للحصول على بعض الاعانات المالية التي تذهب بنا انا والتميمي الى حانة من حانات بغدد او لشراء ما نحتاجه من مشروبات نحتسيها في البيت او بين الأصدقاء .

لم تكن صداقتي بالتميمي وحدها قد توقفت على سكنه معي في البيت ، بل تعدتها الى علاقة حزبية ، فقد كنا انا وصديقي عضوين في خلية شيوعية واحدة تسمى أساسية . امتدت هذه العلاقة قبل ان ينفرط عقدها بشكل مفاجئ . حين تم اعتقالي في كانون الثاني عام 1963 قبل انقلاب شباط بشهر ، بعد خروجي من استعلامات مجلس السيادة مع ثلاثة اخرين لم نحظ بلقاء رئيس مجلس السيادة نجيب الربيعي القائم بأعمال رئيس الجمهورية انذاك لسفره الى بريطانيا ، لنسلمه عرائض جماهيرية تطالب فيها بانهاء القتال واحلال السلم في كردستان .

في معتقل الفضيلية ، وبعد انقلاب شباط بشهرين وصلتني رسالة من جودت التميمي بواسطة شقيقتي التي أنابت عن والدتي لزيارتي بسبب هروبها الى البصرة خوفا من الاعتقال هي الأخرى ، كتبها بشفرة بسيطة ، كنا قد اتفقنا قبل ذلك على فك رموزها  وذلك من خلال تجميع الحروف الأولى من بداية كل سطر . كانت الكلمات تقول ” الثورة قريبا جدا … “.

مع ان جودت كان عضوا في الحزب الشيوعي الا انه لم يكن على درجة مرضية من الالتزام الحزبي المطلوب . فقد كان ميالا الى سلوك الصعلكة ، بما تحمله من ثقافة خاصة لم تكن تنسجم كثيرا مع متطلبات الشخصية المتوافقة منهجيا وأخلاقية مع المجتمع وبالتالي المطلوبة حزبيا . اتذكر ان الشاعر على الرغم من مواهبه الفنية والثقافية المتنوعة وباعه الطويل في نظم القصائد الشعرية والغنائية وقدرته على ادارة دفة اللقاءات السريعة فنيا وسياسيا ، وبما يمتلكه من بديهية الاعداد السريع للبرامج والتي عرف بها عندما كان معدا لبرامج متنوعة في اذاعة القوات المسلحة وبعدها في اذاعة صوت الجماهير التي كان يشكل عمودها الأساسي ، حتى انه ولضرورات قاهرة كان يكتب كل البرنامج من الدفة الى الدفة بما في ذلك برنامج ما يطلبه المستمعون بأسماء طالبين وعناوين وهمية ، أقول ، مع كل هذه المواهب ، كان جودت غالبا ما يلجأ للاستدانة بطرق مختلفة ، تكون مخجلة أحيانا ، وبسبب من رهافة حسه يلجأ الى التذاكي في الكذب للتملص من العلاقات الثقيلة ببعض الأشخاص الذين يسلفونه مالا مقابل ان يكتب لهم اغاني أو قصائد يذيلونها بأسمائهم ، حتى كان الأمر يتعدى كتابة رسائلهم الغرامية أو القيام بخط لافتات او قطع لمحلاتهم . وحتى لا أترفع بنفسي عما كان يدفع التميمي للقيام بذلك ، فقد كانت بعض المبالغ المستدانة تذهب لأكل او شراب لكلينا .

كتب التميمي نصوصا غنائية في غاية الابداع والشفافية لمطربين ومطربات عراقيين وعرب ، لم يستطع اي من المؤلفين في زمانه كتابتها لا عدديا ولا محتوى . أذكر ان جودت التميمي بعد كتابته لأغنية ” نيشان الخطوبة ” للمطربة لميعة توفيق والتي تأثرت بها كما تأثر بها جمهور المستمعين، كانت لميعة تستقبله، وأحيانا بحفاوة في بيتها أو في ملهى الكروان التي تمتلكها والتي يديرها انذاك شقيقها غازي . ولما لم يسلم الاثنان من متطلبات حاجة الشاعر في بعض المرات اقترح غازي على التميمي ان يشتغل في الملهى بصفة عريف حفل، فكانت تلك الوظيفة هي القشة الأكثر سببا في قصم ظهر ارتباط الحزب بجودت التميمي، ولو الى حين.

بين عام 1964 و 1965 طلب الحزب من التميمي كتابة بعض القصائد الثورية لاذاعة صوت الشعب العراقي التي كانت تبث من براغ . وفعلا كتب لهم قصيدته المشهورة انذاك:

 

    رمدة الشمس

    ومعصبات اعيونها بغيم الكدر

    رد للسلف خبر زلمنه

    الماوصل منهم خبر .

    هيمة ومساحي أمعكطة

    وجناز مكفوف النظر

    …………..

    …………..

    لو صادف بدربك نهر

    أطفر ولا تمشي شهر

    سامع أظن بلي طفر النجوم وتعنه الكمر

    هاي الزلم …..

 

تلك القصيدة التي كانت يومها فتحا جديدا في تاريخ كان الأسلوب المتداول والنمطي في كتابة القصيدة الشعبية سائدا باستثناء مظفر النواب . حتى نسبها البعض الى الشاعر النواب خطأ.

في تلك الفترة وبعد ان هجر التميمي ملهى الكروان ، وبعد الحاح ، تمت موافقة الحزب على عودة التميمي اليه باسم “جمهور” الذي اختاره جودت لنفسه ، في نفس الوقت تم اعداده كخط مائل في صفوف ” الاتحاد الاشتراكي ” الذي تأسس في عهدي العارفين عبد السلام محمد وأخيه عبد الرحمن . وفعلا تم أنتظام التميمي عن طريق المرحوم ابو ضاري لهذا التنظيم الذي أعده النظام الأسبق حزبا قوميا له على غرار الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر الذي أسسه جمال عبد الناصر .

بعد أشهر من العمل داخل التنظيم عمل التميمي على شق وحدة التنظيم مع مجموعة كان يقودها اياد سعيد ثابت ، لم يكن الحزب الشيوعي العراقي راضيا عن موقف التميمي ذاك لأسباب غير ذات صلة بموضوعنا هذا .

ومع ان موضوع استدانات الشاعر للمبالغ الصغيرة كان عاما أحيانا ، وعدم الايفاء بسدادها غالبا الى جانب كثرة المقالب التي كان يضطر الى القيام بها بالبعض من الذين أدمنوا على قبولها مكرهين ، او قبول أعذاره الكاذبة المتكررة ، الا انه كان يحظي بكثير من الود والاعجاب من الكثيرين ، خصوصا أولئك الذين كانوا يقدرون ظروفه الخاصة التي تصنعها حاجته وقلة ذات اليد ، او الذين يخصهم برسائل الاعتذار بما تحمل من جميل الأسلوب ورهافة الحس واناقة خطه ولما كانت علاقاته الفنية قد نوسعت لتتعدى المطربات والمطربين العراقيين لتصل الى أمثالهم من العرب أمثال المطربة سميرة توفيق التي غنت له ” وحدك ملكت الروح يابن العشيرة ” ودلال شمالي وفهد بلان وغيرهم ، فقد كانت تلك الحاجة تصل أذيالها الى واحد منهم او أكثر، أذكر انه رغم استلامه لمكافأة سميرة توفيق البالغة ( 25 ) دينار سلمها له ملحن الأغنية الفنان رضا علي باليد اتعابا لأغنيته تلك ، الا ان التميمي الذي كان قد حظي بتقدير الفنانة الكريمة قد تجرأ على شكوى حاله يوما ما برسالة تثير الأعجاب أكثر من الشفقة الى سميرة توفيق التي لم تبخل عليه بما أجادت مرة أخرى .

في فترة الستينيات كانت أجوركلمات الأغنية المذاعة في اذاعة وتلفزيون الجمهورية العراقية لا تتعدى الدينارين مقابل الأربعة للملحن وثمانية للمغني . لذا كان على أكثر الفنانين العراقيين ان يعيشوا العوز والفاقة ان لم يكن لهم مورد آخر . أذكرعلى سبيل المثال اضطرار الفنان الريفي عبد أرويح الى ضبط الايقاع على زنبورين ، بدل زنبور واحد ، كان يشدهما على خاصرتيه لنيل أستحسان مسؤولي مؤسسة الاذاعة والتلفزيون ، فما كان من أولئك الا ان يقطعوا نصف أجره لعدم استحسانهم لفذلكة المسكين .

كانت تلك الظروف وغيرها هي من ساقت التميمي الى سلوك سبل غير مرضية اجتماعيا ، وربما الى بيع عرق جبينه او اضطراره بيع مجهود فكره وقلبه على شكل أغانٍ بأسماء الغير .

التميمي الذي كان قد بلغ يوما محطة عمر لابد ان يفوته قطار الزواج فيها ،ان لم يسرع الخطى ، زارنا بعد غيبة أشهر تصحبه زوجته الممرضة شعلة ، بعد أشهر ليست طويلة طلبا الاثنان تدخلي لفض شراكة عمرهما . لا أذكر ان كانا قد انجبا طفلة او لا .

لم يكن جودت التميمي قد خرج الى الحياة من شق أرض أو حائط مجهول ، فقد ارتبطت بأواصر العلاقة ببقية أسرته التي تنتمي الى عشيرة ” الأفضول ” المرتبطة ببني لام ، العشيرة الأكبر . كنت أزور والدته الريفية العجوز التي القت برحالها اخيرا في بيت بسيط كانت تسكنه فضيلة شقيقة جودت مع زوج يكبرها سنا يدعى ناموس . هم كل ما تبقى لجودت من أسرة نزحت الى مدينة الثورة من قضاء علي الغربي في ميسان .

رحلة طويلة من المعاناة والابداع والاحباطات والضياع الدائم ، ختم نهايتها الزمن الجاحد ، بأن يموت التميمي مهجرا من الحياة الحرة الكريمة ، لم يكن في زوادته في تلك الرحلة البائسة والشاقة ، سوى أحلام وأمنيات كان يتلوها على أزميل ابداعه فيخطها بأروع ما يجود ، من غير ان يسعفه القدر برد الجميل المؤمل ، او يسعف غيره من بعض الباذلين من قبل ، ليموت مشردا ووحيدا ميتة غير معقولة أصلا.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان