في بداية المقال، أود ان أوجه الشكر إلى رجل الأعمال وتاجر العقارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فلولا قراره الأخيرة بنقل سفارة بلاده من عاصمة الكيان الصهيوني إلى القدس، لحفظت القضية الفلسطينية كما خطط لها أطراف صفقة القرن في ثلاجة دفن الموتى!.
إعلان ترامب لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة فقط وفق تعبيره، بل يصب أيضا في مصلحة القضية التي أهالت الأنظمة العربية المتعاقبة عليها التراب، بدءا من الرئيس المؤمن الذي قرر زيارة «الكنيست ذاته» وصولا إلى من طالب بالحفاظ على أمن وسلامة المواطن الإسرئيلي. فلقد أخرج ترامب بإعلانه القضية من «الدرج» وأعادها إلى شوارع العواصم العربية، فالقدس ومنذ مساء الأربعاء الماضي، وهي حديث العرب في المدارس والجامعات والمقاهي والمواصلات العامة، فبعد سنوات من الشوشرة الإعلامية على فلسطين وأهلها في فضائيات دول الاعتدال، غيرت تلك الشاشات من سياستها التحريرية، وسلطت الضوء على القرار الأمريكي وتبعاته، ونقلت ردود الفعل الرسمية والشعبية، حتى أن التلفزيون الرسمي المصري وباقي فضائيات الموالاة نقلت لقطات من احتجاجات الصحفيين مساء الخميس عقب إعلان ترامب بيوم واحد وغطت تظاهرات الأزهر ظهر الجمعة، وصارت القدس حاضرها وتاريخها محورا أساسيا في برامج “التوك شو”.
القرار أعاد الوعي بقضية العرب الأولى، ودفع الأجيال الجديدة التي تم تغييبها وإلهاؤها بمعارك عبثية، إلى وضع مواقف رؤسائهم وملوكهم وقادتهم على ميزان القضية الفلسطينية، فمنهم باع ومن تنازل ومن سلم ومن ساوم على شرف العرب.
شكرا ترامب على قرارك الذي أعاد الغضب والاحتقان إلى صدور أجيال لم تغضب من أجل فلسطين منذ سنوات، شكرا على احراجك حلفاءك الذين أعلنوا ثقتهم فيك على الملأ، فقد وضعتهم أمام خيار بين الاستمرار في تأييدهم لك، أو مراعاة الرأي العام الجديد الذي خلقه قرارك الأخير بمعاداة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فلقد وحد القرار العرب وتوارت الخلافات العقائدية والمذهبية والسياسية خلال الأيام القليلة الماضية، فما إن أعلن الرئيس الأمريكي قراره حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي وتصدر هاشتاج #القدس_عاصمة_فلسطين_الابدية لائحة الهاشتاجات الاكثر تداولا في جميع الدول العربية، لتتراجع موضوعات أخرى كانت قد حازت اهتمام الرأي العام العربي أبرزها اغتيال الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح.
المستخدمون وجهوا في تغريداتهم انتقادات لضعف المواقف العربية الرسمية التي اقتصرت على بيانات الإدانة والشجب والاستنكار، ومنذ إعلان ترامب المشؤوم تصدر هاشتاج #جمعة_الغضب لائحة الهاشتاجات الأكثر تداولا وصارت مشاهد المسيرات والوقفات الاحتجاجية في العواصم العربية هي الأكثر مشاهدة. لن تضيع القدس مادام فى الأرض العربية شعوب تعي ما جرى، لن تموت القضية مادام الغضب ضد الكيان الصهيوني وكل من والاه من حكام الندامة ينتقل من جيل إلى جيل، فالغضب هو مفتاح القدس الذي تتوارثه الأجيال.
فى القدس، أعني داخل السور القديم
أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى
تصوبني. فإن الأنبياء هناك يقتسمون تاريخ المقدس…. يصعدون إلى السماء ويرجعون أقل إحباطا وحزنا، فالمحبة والسلام مقدسان وقادمان إلى المدينة.*
*أبيات من ديوان «لا تعتذر عما فعلت» للشاعر محمود درويش.







