عبد الغفار العطوي
لتصل المرأة الى ذروة الاستقلالية في الموجة النسوية الثالثة التي وجهت ناقداتها النقد الشرس اللاذع للموجة الثانية ، و ساعدت وسائل الاعلام في دفع الحركة التي صرحت سارة جامبل بأنها من صنعها و قد وصلت الى طريق مسدود(2) لكن ما بعد النسوية ظلت حاضرة في نسوية العالم الثالث التي استطاعت ان تشكل انتقادا لعالم الحداثة و سقوط مثالها الرجل الابيض(3) و بروز النسوية الإسلامية كإحدى الاستجابات التي فرضتها الظروف الملحة في إنشاء رؤية سياسية إيديولوجية و فجرتها الناقدات النسويات في وجه النسوية القديمة ( قبل عام 1980 تقريبا) لكن النسوية الإسلامية لم يأخذها منظروها بجدية ، و باتت حبيسة الفكر الإسلامي الذي مازال مقيدا بإشكالياته و رؤيته للمرأة من منظور الإسلام ، و بما أنه لا ينظر للحاضر إلا وفق إنتاجه للواقعة التاريخية و تلبيسها الرمزي ، فنجد اسقاطاته على الرؤية النسوية الإسلامية الان ، و يمكن استنتاج الانشقاق ما بعد النسوية بالانشقاق النسقي المضمر في تاريخ المرأة في الثقافة العربية الإسلامية كما تستخدمها النسوية الإسلامية في منظور الميتاتاريخية و قيام نسقي ثقافي يفسر الممارسات الجينالوجية للمرأة بمعزل عن الهيمنة الذكورية للأبوية الإسلامية
1-من المقارنات التي تصلح في إيجاد منظور اسلامي معاصر يفهم منه التفاوت بين النسوية الغربية و الإسلامية في محاولة نقد النسقيات ، يعول التأويل على استحضار نسقية ( أزواج النبي) كنسقية تعتمد نشاطا ثقافيا لمعرفة الصراع النسقي الصامت الذي لم يفطن إليه الباحثون الاقدمون و كشفت عنه النسقية المللية وسربته نحو علامات الحرب الصامتة للمذاهب الإسلامية حيث جاءت كتب السير وكتب النساء حافلة بها لدرجة ان القرآن حذر نساء النبي و عرض بثقافتهن الجاهلية (4) في سور عديدة.
2- نسقية ازواج النبي كانت ترسم على قطبيها المتعاقبين ( خديجة بنت خويلد الزوجة الاولى للنبي(68 ق ه -3 ق ه) و ام ابنائه عدا ابراهيم كانت ثرية تجهز قوافل التجارة و لما تزوجها النبي كانت اكبر منه سنا (5) و سبق لها الزواج لكنها امتازت بأنها اول من استشعرت بالنبوة و صدقت بالنبي و بذلت أموالها في سبيل الإسلام ، لكنها توفيت في السنة الثالثة بعد البعثة (6) أما الزوجة الثالثة ، فكانت عائشة بنت ابي بكر ( توفيت عام58 هجري) تزوجها النبي و هي باكر ، و حدثت لعائشة في حياة النبي امور جعلتها محورا للأخذ و الرد(7) و توفيت و لم تلد و لم تحمل للنبي ، و ساهمت في الحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية في ما بعد وفاة الرسول و شهدت الانشقاقات في عالم الإسلام.
3- نقلت كتب الاخباريين و مصنفات المؤرخين ، أن عائشة لم تلتق مع خديجة في حياة النبي، لكنها بدت بتوجيه الانتقادات الى خديجة امام النبي ، و عللها المؤرخون بأنها غيرة النساء ، فقد جاء في صحيح البخاري كتاب النكاح عن عائشة قالت : ما غرت على امرأة لرسول الله كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول الله لها ، لكن تاريخ عائشة الطويل بعد النبي ، اثبت بطلان حجة الغيرة ، إنما يمكننا الذهاب نحو ما يسمى بالانشقاق الرمزي لعائشة على تراث خديجة لدرجة تغييبه بشتى الطرق، و إنشاء تراث يرتبط بنسقية عائشة ، تماما كما نجده عند ناقدات ما بعد النسوية و ان اختلفت الطرق ، لأن ما فعلته عائشة و هي من أمهات المؤمنين يمثل كسراً لنمطية صورة خديجة في الموروث النبوي ، أثبتت صورة المرأة المختلفة التي تمتلك قدرات الانخراط في الحياة الاجتماعية و الشعبية، و كان انشقاقها ومضة في تاريخ المرأة المسلمة ، بقيت مخبوءة في البنية المضمرة ، و ان تعرضت لانتقادات شديدة في صراع المذاهب ،إلا انها وطنت وجودها في نقد تراث خديجة الذي مثل القاعدة الاساسية في تكوين المؤسسة الإسلامية، و الدراسات الثقافية المعاصرة التفتت الى هذه الإشكالية ، أي كسر النمطية للمرأة و تمحيصها و الخوض في تاريخها المسكوت عنه ، و ان النسوية الإسلامية و هي تتبنى قضايا المرأة المسلمة في الحاضر لا بد ان تنظر للماضي و نقد الأنساق التي أطرت المرأة في إطار الذكورية و منعتها من الاستقلال و التحرر ، و بمعنى إنها لم تخرج من الدائرة الضيقة التي يفرضها الإسلام.
إحالات
1-مدخل في نظرية النقد النسوي و ما بعد النسوية حفناوي بعلي الدار العربية للعلوم- ناشرون بيروت الطبعة الاولى 2009 ص 82
2- المصدر نفسه ص 83
4- المصدر نفسه ص 227
5- القرآن الكريم | سورة الاحزاب – الآيات 29-30-31 والآية 33 و سورة التحريم .
6- الطبقات الكبرى لابن سعد ص 105 ج1 .
7- انساب الاشراف للبلاذري ج2 ص525 .
8- المصدر نفسه ص 553 .









