حسن العلوي
يطوي العصور مسافراً ليكتب، لا تحت شجرة معمّرة عند هضاب الألب السويسري، ولايستريح من عناء عند حافات بحيرة جنيف، ولايعرف من عناوين الجغرافيا إلا عنوان التاريخ، فيطوي القرون مغادراً الحادي والعشرين إلى الثامن والتاسع الميلادي.
مخلوق شعري يسكن بيننا، ويتنفس القرن الرابع والقرن الخامس متجوّلاً بين أروقة العصور الشعرية التي أنجبت الحلاج وابن عربي وابن الفارض.
كلَّما أهداني نصاً شككت بالوجود وبالزمن، بالسنين، بل شككت بالمكان والشاشة التي أراه مطلاً عليها كل يومٍ ينفث تحدياته لاخوفاً ولا وجلاً.
وجيه عباس، قائم بيننا وليس قادما من حضارة بني العبّاس، بل هو المسافر من عصرنا إلى تلك العصور.
أجل، أشك أنَّه موجود، وهو على يساري أملي عليه سطورا على طريقتي في الإملاء، وقد عزَّ عليَّ أن أكتب سطوري بيدي منذ أن عرفت معنى الحرف.
أَهوَ نفسه صاحب هذه النصوص؟ أهو نفسه الصحفي الساخر الناثر؟ أهو ذاته المتحدث بفم عريض يمزق نسيج الشاشة الصامتة؟ أهو نفسه وجيه عباس يكتب هذا الشعر ويمتهن السخرية في الكتابة والكلام؟.
كم تمنيت لوكانت لي سلطة من يعتقل، لكان وجيه عباس أول من اقتادته شرطتي من بوابة التلفزيون ومدخل الجريدة إلى كوّة كان ابن عربي يمضي ساعات يومه وسنوات عمره فيها، فهذا الرجل يجب أن يُحجزَ لهذه المهمة لا لشيء آخر.
كتبت مرة، أثناء الصراع بين الاتجاهات السياسية بعد ثورة 14 تموز مقالا ضد الجواهري في جريدة يومية، وأنا من مريديه، تحدثت فيه عن قصة الشاعر العباسي(الحيص بيص) الذي أتى يوما الى الأمير أحمد بن المعتصم، قائلا له إن له بيتين من الشعر قيمتهما ألف درهم، وحين أنشد البيتين، أمرالأمير جلاده على يمينه بضرب الشاعر مئة جلدة، ومع كل جلدة يتساءل “الحيص بيص”: أهذا جزائي؟ فيقول الأمير: نعم هذا جزاء من لا يعرف قيمة شعره، فما تقوله لا ثمن له، وقد أهنت كلامك حينما وضعت له تسعيرة بالف درهم، فيجيبه المجلود: أهناك فوق الألف رقم آخر؟! حيث لم تعرف العرب آنذاك أرقام المليون والمليار التي يتداولها السياسيون في مقاهي الروشة وعند برج خليفة أو في فندق الدولشيستر المطل على بارك لندن.
شبّهت الجواهري بالحيص بيص في تلك الفترة التي كان يكتب قصائد يتنازل الى قعر النزول فيخاطب العمال قائلا:
بكُمْ نبتدي… وإليكم نعودُ
ومن سَيْب أفضالكم نستزيدُ
وأتساءل: متى كان الجواهري يأكل فضلات الآخرين حتى يرتكب هذه المعصية ويهين كبرياءه، وهو المعروف بحمل أرق وأرقى خيوط الكبرياء؟!.
فإذا عدت الى وجيه عباس،وجدتُ الأمير أحمد بن المعتصم شاخصاً، وأنا أتمتع كلما أوقع الجلاد سوطه على ظهره، فالمبدع الذي لم يكتشف إبداعه سينتظر من يوقظه ويقول له: ياوجيه خذ مكانَكَ، ومكانُك زاوية من زوايا التصوف وأنت الآن تمضي أيامك مع جلال الدين الرومي وقبلها مع حافظ الشيرازي فتضيف إليهما نصوصاً يصعب على واحد مثلي تفكيكها ليعرف ما لوجيه وما للرومي وما كتب ابن شيراز.
وجيه عباس لم يكتشف نفسه فكيف يريد من غيره أن يكتشف شخصيته الضامرة المخفية والظاهرة لا على الشاشة ولا على الصحيفة، بل على مايكتب من نصوص شعرية؟.
شاعر تسيل الكلمات متعاشقة متجانسة متناغمة بين يديه، فلا ينبو حرف ولايصطرخ صوت، كأنك تستمع الى مقطع من سمفونيات موسيقار ألماني أجاز الإمام الخميني الاستماع إليه فيما حرَّم موسيقى الشرق. فأين الحلال والحرام في شاعر يقيم الفرائض ويجهر دون توقف بالمسموح عند أهل مذهبه والمنسوب الى التقيّة؟.
وجيه شاعر بلا تقيِّة، ملتزم وغير ملتزم، له مع الشعر علاقة هي غير تلك التي تعرفنا عليها في العمود الصحفي والبرنامج المتلفز.
وجيه عباس مثلث لا تتساوى اضلاعه، لكن المؤذي أن ضلعه المشهور ليس افضل ماعنده من اضلاع، ولو أنصف نفسه لوضع ضلع الشعر فوق ضلع الجريدة والشاشة. أنا أتعامل معه نصاً وسياقاً لا ينتمي الى هذا المكان ولا يرتبط بهذا الزمان، فمن يقرأ ما كتبه من نصوص موازية لعرفانيات ابن الروم وابن شيراز سيصعب عليه ان لا يتعامل معه وفق نفس السياق.
وجيه ياعِرْقاً من نخلة أشرسية زُرعت في أيام أبي حيان التوحيدي، وجاء ذكرها في رسالته البغدادية، انت رطبة برحية في بستان أبي حيان التوحيدي فانصف نفسك كي ينصفك الناس، واكتب كتابك مع الشعر بحضور كاهن كاثوليكي، فلا طلاق ولا فراق، وقد استحال وجودك بضعةً من جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، ومن يتذكر الأخير يشخص أمامه شاعرنا عبد الوهاب البياتي، الذي أُغرمَ به عنواناً دون نصوصٍ رومية.
وجيه، حصان صوفي عبر الموانع ولم تسقط خشبة تحته من خطأة قدم، فهذا الرجل له قدم عالية فيها علوّ ابداعه في عالم لم يعد مأهولاً بالكثير من النظائر.
سر الاسرار في كتاب الشيخ الجيلاني يفسح في رؤية أحد ابرز تلامذة الخط الصوفي، فأقول: كلما حاولت أن أتوقف عند جملة أخيرة أنهي هذه المقدمة، تولد سطور من داخلها، تدفعني الى الاستمرار دون التوقف في رحلة عشتها خلال الاشهر الماضية، وقد اكرمني وجيه عباس عندما خصني بمقاطعه ساعة ميلادها، فأكون شاهد الميلاد الجديد لهذه الصوفية العباسية، ولنمط لم يعد مألوفا ومأهولا في ادبنا المعاصر الذي اخذ صورته شبه النهائية واستقر على استيعاب الأسلوب الغربي لكتابة الشعر، وأهل الغرب لم يكتبوا في التصوف شعرا وإن اكتشفه علماؤهم ومستشرقوهم في أبحاثهم الجديدة. سأواصل رحلتي مادام وجيه عباس يخب خطاه باحثا عن سمات شعرية جديدة لدى جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، فلا تدري، ولن تدري، إن كان هذا النص مكتوبا في تلك القرون أم وجيه عباس يسطر صوفيات القرون الماضية ويجددها ويعيدها للحياة حية نابضة، متجاهلا متفائلا الى حد التكابر على معوقات التصوف في موجبات العصر القائم على فلسفات المادية المحضة؟.
المحض عند وجيه عباس أن تحمل معه ركنا من اركان ذلك المسجد الذي كتب تحت قبته جلال الدين الرومي او حافظ الشيرازي ابداعاتهما الخالدة، وسلام عليهما ما طاب السلام، وإليك ياوجيه اجر العاملين في خدمة هذا التراث العظيم.
معذرة، فالجواهري يغالبني وهو يخاطب نفسه، فأستعير خطابه:
حَلّقْ ولا ترحمْ هناك مُحَلِّقاً
حتى تجرِّرَهُ على الأعتابِ
وصِغ الحروفَ عجائباً وتناسها
حتى كأنَّك لم تجِئ بعُجاب.







