اراء وأفكار

(8) شباط الانقلاب الدكتاتوري الشوفيني

صافي الياسري

 

لم يكن عبد الكريم قاسم ميالاً إلى فكرة احتواء أو الانتماء إلى حزب أو فكرة أو نظرية حزبية تتعارض وميوله وانتماءه الوطني العام وهو صاحب مقولة (الجيش فوق الميول والاتجاهات)، وكان حرياً بهذه الصفة أن تحيد الجميع وتمكنه من الإمساك بالعصا من وسطها، لكن الرجل لم يكن متمكناً من تكنولوجيا السياسة ومناوراتها فقد كان مثالياً مباشراً وهذا هو السر في شعبيته الكاسحة، كما إن من كانوا حوله في اِلأغلب كانوا على شاكلته ولم يكن لديه من مطلب من أي مسؤول سوى أن يضع العراق أولاً نصب عينيه، ولهذا وجد نفسه في موقع مضاد للتطلعات القومية التي تمسكت بها الأحزاب القومية التي وجدت في مد عبد الناصر ومناهضته للاستعمار والصهيونية تحت راية القومية سنداً وظهيراً قوياً لحركتها ومثلما قصر عبد الكريم قاسم في تعامله مع القوى السياسية الناشطة على الساحة العراقية آنذاك قصر الشيوعيون كذلك في تقديرهم لقوى خصومهم من القوميين وبراغماتيتهم وإمكانية استخدامهم أساليب انتهازية ضمن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة التي وضعوها آنذاك سبيلاً لانقلابيتهم التي اعترفوا في أدبياتهم أنها نهجهم وما زالت أدبيات البعث المحفوظة تذكر أنه حزب انقلابي، وافتقار نظام عبد الكريم قاسم إلى خطة مضادة في حال تحرك أية قوة لقلب الأوضاع لهذا تمكن البعثيون الذين حشدوا زمراً من القوة الجوية والدروع كان من الممكن القضاء عليها بسهولة لولا أنها تحركت على أهداف مرسومة بدقة وتركيز، فقد هاجمت وزارة الدفاع كما استولت على الإذاعة ومرسلاتها وعطلت إذاعة الصالحية لتبث بيانها الأول. وللإعلام في حينها موقعه السحري في التأثير على تحركات القوى العسكرية، لسنا بصدد كيفية وأسباب القضاء على عبد الكريم قاسم ومجيء البعثيين وعبد السلام عارف، فقد اشبعت المسألة بحثاً ودراسة ولكننا مع مجيء هؤلاء وبدء مسلسل الانقلابات العسكرية عرفنا أن العراق اتجه بعد ذلك وجهة دكتاتورية قائمة على البطش وتصفية الحسابات، ومن يستعيد الاستماع إلى برامج الإذاعة والتلفزيون ما بعد 8 شباط سيدرك تماماً أن الاتجاه الشوفيني البعثي كان واضحاً وجلياً من خلال الصدام مع كل القوى السياسية القائمة على الساحة العراقية ومع القوى القومية العربية والكردية ومع إننا كنا صغاراً في حينها إلا إننا ما زلنا نتذكر الدور الباطش للحرس القومي وميليشياته التابعة لحزب البعث، هذه الميليشيات التي لم تجد رادعاً في مواجهتها حتى للقوات المسلحة العراقية وتعدت صلاحيتها صلاحية أجهزة الأمن والشرطة والاستخبارات والجيش. وحين انقلب عبد السلام عارف على البعثيين باسم التيار القومي الناصري وقف الحرس القومي مقاوماً لقوات الشرطة والأمن والجيش والانضباط العسكري حتى تم القضاء على ميليشياته بالقوة.

ومنذ اللحظة التي تسلم فيها البعثيون السلطة في 8 شباط أدرك كل العراقيين أن قوى الشعب ومنجزاته التي تحرك عليها خلال السنوات التي أطاحت بالحكم الملكي وأنهت حلف بغداد الاستعماري، ستذروها الرياح وأن مكتسبات الإصلاح الزراعي وخطط البناء الخمسية للتقدم الاقتصادي والسياسي قد اصبحت في خبر كان.

وفي الوقت الذي تمكن فيه عبد السلام عارف من وضع الزمر البعثية على الرف أو في السجون فإنه لم يختلف كثيراً في توجهاته التي وضعت العراق في خانة الإلحاق و مقدراته في خدمة أهداف طوباوية لم تكن عموم الشعوب العربية قادرة على وضع الحد الأدنى منها موضع التنفيذ.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان