عدنان فرج الساعدي
انتشرت في الساحة العراقية بعد سقوط النظام البائد، ظاهرة التسقيط والتشهير الى درجة ان تحولت فيها الى وباء خطير وسلعة رخيصة لكل من هب ودب ليعبر فيها أولئك المفلسون عن فشلهم وبغضهم للآخر ، وليبرهنوا فيها كذلك على لا انسانيتهم وانعدام القيم الاخلاقية والنوازع الانسانية لديهم.
إن مفهوم التسقيط يمكن ان تكون له عدة معان فمرة يكون افتراءً ومرة يكون بهتاناً أو تزويراً، وفي المفهوم القرآني اقترن مفهوم التسقيط بظاهرة او مصطلح (البهتان)، وهو تعبير قرآني لمفهوم أخلاقي سلبي. هذه الثقافة الانهزامية ثقافة التسقيط تعكس الازمة والانتكاسة النفسية التي يمر بها الشخص أو المجموعة الى درجة ان تصبح المفاهيم الاخلاقية لديهم مفاهيم ميكافيلية، فالوسيلة عندهم مبررة مهما كانت بشعة وقذرة لأن الغاية التي يسعون اليها ويهدفون الى تحقيقها هي بالتأكيد أكثر انحطاطاً ورذيلة. ونرى هناك مجموعات وافرادا تمارس رذيلة التسقيط وتعبر في ممارساتها عن انسلاخها من الشرائع السماوية والقيم الاخلاقية جميعا ، فجميع الاديان السماوية والقيم الانسانية ترفض هذا المرض الاجتماعي الخطير، كما في قوله تعالى { والذينَ يُؤذونَ المؤمنين والمؤمناتِ بغيرِ ما اكتَسَبوا فقدِ احتَمَلوا بُهتاناً وإثماً مُبيناً } (الاحزاب / الآية 58).
فيما ان الاحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وكذلك أهل البيت عليهم السلام قد حذرت من جريمة التسقيط، واوضحت مصير من يمارس هذه الرذيلة، والعقاب الأخروي الذي سيؤول اليه صاحبه بقوله : “من بهت مؤمناً أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه اللّه تعالى يوم القيامة على تلٍّ من نار، حتى يخرج مما قاله فيه”.
ان هذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا تبدو وكأنها تجارة رائجة وثقافة اجتماعية في في جميع الاوساط الشعبية وحتى النخب، بل نرى ان هناك تيارا شعبيا جارفاً يمارس هذا الوباءً الاجتماعي الخطير خصوصا بعد انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي ذات التقنية الحديثة وبرامج الفضائيات والتي تتخصص الكثير منها في ممارسة اساليب التشهير والتسقيط والتحريض.
ففي مضمار السياسة، فإن حملات التشويه تحولت الى ثقافة دائمة لدى الكثير من الكيانات السياسية وقواعدها الجماهيرية وتصل حمى التسقيط في المرحلة التي تسبق الانتخابات وتصبح جميع الاسلحة غير المشروعة والوسائل المنحرفة والفاسدة، متاحة في سبيل معركة السلطة والتسلط ، وميدانها مواقع التواصل الاجتماعي حيث الاعلانات الممولة لصفحات تسقيطية واضحة لكتلة سياسية وهي تهاجم بشدة كتلة سياسية اخرى.
وقد رأينا من خلال متابعتنا الدقيقة ان هذه الحملات التشويهية المسعورة شملت حتى المرجعية الدينية والعلماء وباقي الرموز الدينية التي تتعرض الى حملات تسقيط مسعورة ممنهجة وخصوصا المرجعيات الحركية الفاعلة والمؤثرة في الاوساط الاجتماعية، وقد تحتل مواقع الفيسبوك وتويتر وغيرها الصدارة في التسويق لهذه الحملات الظالمة ضد الحكومة وضد كل ما هو إيجابي وفق اجندات معرفة الغيات والنوايا، وقد تكون لدول الجوار ومخابرات غريبة الدور الكبير الذي فرض بهذا الشكل على ساحتنا العراقية.
ونحن على يقين ان هذه الموجة تقف خلفها جهات خارجية وأجندة داخلية تستهدف تمزيق اوصال النسيج الاجتماعي واثارة الخلافات والصراعات ، بهدف شغله وصرفه عن الواقع والمشاكل والمعوقات التي تعصف بها الساحة العراقية، وتهدد وحدة أرضه وشعبه.
ونفترض ان المؤسسات الحكومية والاعلامية الوطنية والدينية والثقافية والاجتماعية مسؤولة عن مواجهة هذا المرض الاجتماعي الخطير قبل أن يتحول الى ثقافة انسانية عامة ، لذا يجب ان نعمل لوقف هذه الظاهرة القبيحة وبيان خطورتها على التضامن والسلم الاجتماعي.







