حاورها: كه يلان مُحمد
وحول ما تحلته باريس وبغداد من دور مركزي على مستوى البنية المكانية في رواية انعام الأخيرة ،فإن هناك إشارات إلى مدن أخرى في جغرافيات مُختلفة، فهل كان غرض الكاتبة من ذلك هو الكشف بأنَّ ما يهمُ ليس المكان بوصفه وعاءً للحدث بل ما يختزنه من ذكريات؟
ولكنها تعارض تلك الرؤية بقولها: لا أظن أن الكاتب يضع في رأسه أفكارًا مثل هذه قبل الشروع بكتابة رواية. أو لنقل إن شيئًا من هذا لم يخطر ببالي قبل كتابة “النبيذة”.
وأوضحت أن “الشخصيات هي التي كانت تشغلني، وهناك استعارات من وجوه حقيقية ومن رجال ونساء عاشوا بالفعل في بلدي، أو مروا به، والتقيت ببعضهم، وقد كانت لكل واحد منهم حياته وتنقلاته وأسفاره وأسباب اغترابه. وهكذا جاءت خارطة الرواية على وقع خطوات شخصياتها.
أي أنني فتحت الأطلس وعدت تلميذة تقرأ عن حارات القدس القديمة ومزارات قمّ وموانئ الخليج وسهول باكستان وسجون فنزويلا ومقاهي القاهرة وأزقة شارع الرشيد في بغداد، لكي ألاحق أبطالي الثلاثة في بلاد الله الواسعة التي فتحت أبوابها لهم. هذا مع العلم أن المقر الأساسي للأحداث هو باريس.
ولعلك تشاركني الرأي، أن الفرد في عالمنا المضطرب لم يعد لصيق مسقط رأسه، وأن الهجرات صارت هي ما يرسم المصائر. لقد ولد جدي في الموصل وعاش فيها حتى النفس الأخير، في حين أن أحفاده مبثثون اليوم في كل القارات بدون استثناء. وفي روايتي الثانية “الحفيدة الأميركية” تقول البطلة زينة إن “الهجرة هي استقرار العصر”.
وعن غياب شكل المستقبل في الروايات العراقية، قالت الكاتبة: لا أعرف شكل هذا المستقبل. وأنت حين تفتقد شيئًا، أو يساورك الشك فيه، فإنك تعود إلى مرجعياتك السابقة عنه، وتستعيد صوره وتفتش عن روائحه وتقرأ عن رجاله ونسائه وتنبش أرواح أسلافهم وأسلافك لكي تتأكد من أنهم كانوا هنا، مواطنين عراقيين حقيقيين عاشوا مستورين وأنشؤوا أبناءهم وبناتهم على ما تسميه أنت القيم الغائبة. وفي ظل هذا الغياب، لا أملك ككاتبة سوى تحضير أرواح الماضي الجليل، لعلنا نخجل مما ألت إليه الأمور بين أيدينا.
لكنني لا أملك الأهلية لكتابة التاريخ. أنا أحاول أن أكتب ظلّه وشوارده وهوامشه التي انفلتت من متونه. وعند هذه المحاولة، فإنني لا أضمن لك امتناعي عن الخوض في اللعبة الشيقة للمماهاة بين ما هو حقيقي وما هو متخيل.
إنها مغامرة تغري الكاتب بالقفز في لجتها. فإذا غرق استحق أن نقرأ عليه السلام، وإذا تمكن من الغوص ثم معاودة الظهور على السطح، يكون من حظه العثور على ناشر يوافق على أن ينشر له ثيابه المبللة.
وع رواية “النبيذة” قالت إنعام كجه جي: الرواية كلها، كما أردتها، ومثل كل رواياتي السابقة، تقوم على المرايا المتقابلة التي تعكس زمنين أو عدة أزمان مختلفة. وأنت في القصص لا تبحث عن شخصيات عادية بل عن تلك التي تساعدك على تطوير السرد وإثارة فضول القارئ وبلوغ هدفك من الحكاية.
وليس صحيحًا أن كل شخصيات العهد الملكي كانت متسامحة وراقية كالملائكة، وكل شخصيات عهود الدكتاتورية كانت شياطين. الخيار بيد المؤلف. وهو من ينتقي من الواقع، أو من الخيال، وفي حالتي من الاثنين معًا، السحنات والأمزجة والأسماء التي تناسب ما ينوي التعبير عنه، أي فهمه الخاص لمهنته ولدوره في هذا المعمعة الوجودية التي يمر بها وطنه وأمته.
وأوضحت الكاتبة أن إحدى الشخصيات وهبتها بعض صورها فاستخدمت الصورة على الغلاف، وهناك في متحف الفن الحديث في بغداد، لوحة لها كان قد رسمها الفنان الرائد أكرم شكري. وتساءلت: لا أدري هل ما زالت اللوحة هناك أم تبددت مع ما تبدد ونُهب. أنا رأيت اللوحة في كاتالوغات الفن العراقي المعاصر.
وترى الكاتبة العراقية أن الحب ثيمة قديمة قدم البشرية من أيام جلجامش ونشيد الإنشاد. وبدون الحب لا تستوي ثلاثة أرباع الروايات والأفلام والمسرحيات والقصائد.
إن الصحافية العراقية القديمة تاج الملوك عبدالمجيد، الشخصية الأساسية في “النبيذة”، فقد عاشت تسعين سنة تتمسك بروح شابة وثابة على أمل لقاء منصور البادي، زميلها الفلسطيني الذي اشتغلت معه في إذاعة كراتشي العربية أواسط القرن الماضي. هل تم اللقاء أم شُبّه لها؟ لابد من مطالعة 340 صفحة لكي نعرف الجواب.









