خالد الناهي
عندما نقرأ عن الغجر او البدو الرحل، نعرف انهم لا يرتبطون بشيء اسمه الوطن، فأكبر رابطه لهم واقواها، تكون في البيت، وفي اقصى حد المجموعة التي يعيش معها، لذلك نجد من السهل جداً عليه، ان يترك مكانا عاش فيه بضعة اشهر او سنوات معدودة ليذهب الى مكان اخر، والسبب ان رابط الأرض والوطن مفقود وليس له قيمة تذكر ضمن تفكيره، وان اهم رابط لديه هو الرابط المادي سواء كان اموالا او ثروة حيوانية، المهم انه ليس اصلا من الأصول الثابتة، التي تقيد حركته، ونشاطه في البحث عن المزيد من الثروة. هذه الصفات الغجرية او البدوية، كان من المفترض ان تزول بسبب التطور التكنلوجي، والحياة المدنية التي اخذت تدب من اقصى الأرض الى اقصها.
وبالفعل، اخذت هذه المسميات تختفي، ولا نكاد نسمع بها، الا عندما حاولنا ان نقرأ عنهم او نقوم بإجراء بحث عنهم طلب منا.
لكن ما لم يلاحظه الكثير منا، ان ما اختفى فقط المسمى، اما الطباع فنراها تنتشر وتتجذر في مجتمعنا العربي بصورة عامة. فلا تجد الا القلة القليلة من مجتمعنا ينجذب الى وطنه، بينما تجد الجاذب الأكبر هو النفع المادي الشخصي، سواء كان هذا النفع فئويا، طبقيا او حتى مهنيا فعلى سبيل المثال نجد ان الحاصل على شهادة القانون في البرلمان، سعى سعيه من اجل الحصول على امتياز يميزه عن غيره، والمهندس البرلماني اضاف مخصصا له ، وهكذا الطبيب وباقي الفئات.
اما على المستوى الحزبي، فاصبح هم الحزب الأول والأخير هو ارضاء تنظيماته وكوادره، فقط وكذلك على مستوى العشيرة وقد وصلت هذه الفئوية الى مستوى الأسر، فتركوا اهم رابط يجمعهم و هو رابط الوطن.
ربما يكون سبب فقدان المجتمع لوطنيته، هو عدم شعور المواطن بالأمان، وعدم ثقته بمن يمسك بزمام الأمور، ليس في المرحلة الحالية فقط، انما منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921،فجميع الحكومات التي تعاقبت على العراق جاءت عن طريق الدم تقريباً .
لذلك ان اردت ان تصنع مجتمعا صالحا، يجب عليك اولاً ان تشعر هذا المجتمع بالأمان، ومن ثم اجعل منه يشعر بانتمائه من خلال تشريع القوانين التي تسن للمواطن بصورة عامة، وليست لفئة دون اخرى، وكذلك من خلال اشعار المواطن انه يمتلك هذه الأرض من خلال تسهيل امتلاكه لها بأسعار زهيدة او رمزية، فإن اعطيت مواطنا ارضا يسكن فيها، تكون قد غرست جذوره في هذه الأرض، تماماً كمن يغرس نخلة في ارض صالحة، ما ان تتشبث جذورها في الأرض، حتى يصبح اقتلاعها امرا صعبا جداً، وسرعان ما تعطيك الثمر وتنجب لك فسائل نخل صالحة من نفس فئتها.
اذن قبل ان نطلب من الشعب ان يخلص لوطنه، يجب علينا اشعاره بأنه وطنه اولاً.







