مسار حميد الناصري
وتعد الروايات الأدبية ذات الطابع الجنسي والجريئة في عرض ملابسات العملية الجنسية من الأدب المحظور في بلداننا العربية -على الرغم من وجود أمثلة متعددة في التراث العربي من ذلك ما كتبه الجاحظ والاصفهاني والسيوطي واخرون من اعلام العرب – غير اننا نجد في العصر الحديث من يمتلك الشجاعة من الأدباء والأديبات من العرب لكتابة الروايات الجنسية لأنها النافذة المفتوحة على فضاءات كثيرة منها فضاء العلاقة بين الرجل والمرأة وفضاء رقي المجتمع أو انحطاطه ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وقد تباينت ردود الأفعال تجاه تلك الروايات بين مؤيد يرى في توظيف الجنس إثارة للعقول واستكشاف سر الحياة ورصد المسكوت عنه والرغبة بتشريح المجتمع عاريا لبيان علته ولأن الجنس عنصر أساسي وحيوي في الوجود فإن كل الاساطير القديمة الأرضية وجميع الكتب السماوية لم تخجل من الخوض فيه ولم ينتقص من قدسيتها أما من التزم الرفض وهم الأكثر فانه يرى هذا النوع من الادب خروجا على الفطرة الانسانية السليمة لان ادب الجنس بهذه الطريقة المنحرفة المكشوفة تعد تدميرا لمعطيات العقل والخلق والدين وقد تنوعت التأويلات التي تناولت تلك الأعمال بالنقد الأدبي فمن ناظر لها على أنها تهدف إلى الإثارة والمتعة ومن ناظر لها على أنها رمزية أدبية ذات دلالات عميقة تمس الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وهنا لا بد من القول إن كان الكاتب قد وظف الجنس في سياق فني يتطلبه الموقف الطارئ للشخصية دونما افتعال أو توسل في إطار من اللفظ الموحي الذي ينأى عن الفحش والابتذال والترخص مبتعدا عن المسميات المباشرة او التعبيرات الفجة فلا باس مثلما جاء في القران واحاديث الرسول، فكم من اية ذكرت العلاقة بين الرجل والمرأة وقد اوحت بها بواسطة الحوار تارة أو الحدث والتصوير الفني تارة أخرى والامثلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا ولكن ان تركنا الحديث في الفاظه اللطيفة والموحية من دون ابتذال بوصفه المراة سكنا ولباسا وغيرها فهل نترك سورة يوسف فان القصة الواردة فيها يمكن ان تكون بذلك انموذجا متوازنا للكتابة الصريحة في مجال الحب والجنس بكل ما تحمل من عناصر التشويق والاثارة، فهي تفرض نفسها على أي مؤلف في موضوع الحب وهكذا نجد في القران الكريم سموا وهو يرسم لهذه العلاقة عالمها الروحي والادبي بعيدا عن مزالق الشطط والتجاوز الذي يزخر به عالم الكتابة البشري وهذا لا يعني أنا نمارس دورا اقصائيا تجاه الفن بتفضيل أحد أشكاله أو الدعوة لانتاج شكل واحد للفن واكتفي بما خاض به الادباء والفلاسفة في علاقة الفن بالاخلاق لنجد ان الفن الخلاق لابد له من الالتزام بقيم الحق والخير لكنه ليس دعوة او موعظة بل على الجمال الفني أن يرتبط بالخير الاخلاقي دون ان يتحول الى وعظ وارشاد. ونحن نؤكد أن في الادب قدرا من المراوغة في الفضاءات الشاغرة التي تتيح للقارئ إعادة تشكيل رغباته وشغفه فيها و تعزيز خيالنا بما هو كامن وغامض بعيدا عن عالمنا الضيق وذاتنا المتقوقعة في مساحاتها الصغيرة واكتفي بهذا مثلما اكتفى الناقد داود سلمان الشويلي فهو لم يقحم نفسه بهذه المداخل النظرية في دراسته النقدية التي آثرت التركيز على ثيمة الجنس وقد صدرت في سنة 2018م الموسومة بـ” الجنس في الرواية العراقية” إذ يفتح لنا الناقد بواسطة عنوان دراسته نوافذ دلالية متعددة سنتداخل هنا معها بنوع من التفاعل في الافكار لتقديم رؤية عن الكتاب في مناظرة حوارية تنظر إلى جهة ما هو متعين ومحدد في هذا المجال والتأكيد على حضور الجنس مع اختلاف التوظيف وتشابه في الرؤية .
أجاد الناقد في اسلوبه السهل الشائق وتتبعه الشخصيات في الروايات المختارة وعرضها وتحليلها ولعل الجميل في هذا المولود الجديد هو الصياغة الموضوعية التي رامت التحليل العميق والاعتراف بالمجهودات التي بذلها كتاب الرواية العراقية بخصوص موضوع الجنس من وجهة نظر الروائيين والروائيات وهي أكيد محاولة جريئة للغوص في عوالم مظلمة ظل الصمت يلفها في ثقافتنا العربية ففضل ناقدنا الكشف عنها واضاءة بعض عتماتها وقد اختار روايات فضلا عن عمقها الروائي وثراء تفاصيلها الاجتماعية والسياسية وحيوية ايقاعها اللاهث وانضباط معمارها الفني الدقيق، فقد عرضت الجنس بوعي وفهم ودقة وحرفية واللافت للنظر انها بخلفية علمية سليمة ساهمت فيها ثقافة الروائي الا ما استثنى الناقد ذاته . وقد عمد الشويلي إلى تبويب الكتاب اعتمادا على مقاربة الثيمة المهيمنة في العمل الروائي فكان :
الفصل الأول: تم الوقوف فيه على ابداع الربيعي والبحث عن قيمة الجنس فيما كتبه قبل أن يضع تحت المجهر بعض المحاور التي تناثرت هنا وهناك في الفصول الاخرى ومنها الجنس في المجتمع المنغلق أو الانحراف والشذوذ أو المؤثرات السياسية والثقافية والتقاليد والاعراف .
الفصل الثاني : ومع الكاتب هشام الركابي انتقل بنا الناقد الى الجنس في المجتمعات المنغلقة والمؤثرات الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية من ذلك الجنس عند الزوجة القروية بين تسلط الزوج وجبروت الحماة.
الفصل الثالث: تم فيه تسليط الضوء على مدى حضور الجنس في كتابات حازم مراد وتعامل الروائي باسلوب لم يرتق الى النضج الفكري والادبي معتمدا على عرض الموضوع دون الاهتمام باللغة فقد طغى الاسلوب الصحفي على كتابته وهنا يقدم الناقد رؤيته ويطلب من الكتاب توخي الكتابة باسلوب ادبي لكل من يمارس هذا النوع من الابداع الادبي، فان القارئ يظل يبحث عن متعة القراءة فضلا عن مقروء جديد فيه من المتعة والاصالة والدينامية مما لا سبيل للتسامح في كتابة غير منضبطة لأن شأنها شأن آخر.
الفصل الرابع : وهنا الناقد اعتمد عامل الزمن مختارا الروايات بعد 2003 لبيان التحولات والتغيرات والمؤثرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي مختارا روايات الكاتب ناطق خلوصي واصفا بدقة حضور هذه الموضوعة موضحا تورط مختلف الشرائح الاجتماعية الثقافية والدينية في الجنس.
الفصل الخامس : كان فريدا لانه تطرق لرواية الكاتبة لطفية الدليمي واذا كان الرجل بوصفه صاحب الدور الاكبر وبوصفه مبدعا في عصور متقدمة يعبر عن بعض هذا فقد خطت المرأة خطوات أكثر جرأة واقتدارا وتمردا في ثوب من التعبير الموحي لا الظاهري وقد وجدنا هذا عند لطفية الدليمي التي نظرت الى الجنس حاجة روحية حين يمسها اعصار الغياب والوحدة والفقد للطرف الاخر.
وهنا اقول كنت اتمنى ان اجد في كتاب الاستاذ الشويلي رواية لكاتبة ثانية وثالثة حتى تتوضح رؤية المرأة للجنس مقارنة لرؤية الرجل له تشابها واختلافا لأن الناقد مثل الصياد لا يكتفي بالمحاولة بل ينجح في الصيد كي يتقن عمله.
الفصل السادس وفيه يحط الناقد رحاله بعد رحلة تحليلية مع ثيمة الجنس واصفا جنس المحارم وتحديدا بين الام وابنها او بمن هو بمثابة الابن …
في التبويب كنت اتمنى أن أجد الروايات كلها توضع في بوتقة واحدة تحت ثيمة الجنس ويتم تبويها على هذا الاساس لا ان تكون دراسات مستقلة للروايات تحمل اسماء مؤلفيها أولا فضلا عن التباين في المستوى الابداعي بين الروائيين وقد اعترف الناقد بهذا في اولى صفحات الكتاب وجاء التباين أيضا في عدد الروايات المختارة لكل كاتب.
وهنا أقول.. أمام مثل هذه التوصيفات الحاملة لضلال عدة في عرضها لم يكن الجنس في الروايات المختارة عابرا او هامشيا ولكنه حجر زاوية وهو ليس مجرد خط روائي بل هو نسيج عضوي تنطلق منه وتتشابك فيه وتنتهي بسببه جميع العلاقات في الرواية وهو الخلفية لكل التفاعلات والفخ الذي وقعت فيه الشخصيات فكان لابد من ذريعة للاختلاف في الحوار والتوظيف ليمضي بنا الى رؤية متشابهة قد ذكرها الناقد نفسه في معرض حديثه بقوله أن ” المجتمع المتوازن يفرز علاقات جنسية متوازنة وليس العكس ” لذا فإن الادب يسعى كي يكون مكتملا جماليا وباعثا على التخيل والمتعة والاستكشاف تكتنفه غالبا الرغبة الدفينة بهزيمة الفوضى في العالم .









