داود سلمان الشويلي
***
الشعر يختلف عن السرد . لأن الجملة في كتابة النص السردي ، مهما كان طولها ، تتجزأ حسب المعنى بواسطة علامات الترقيم ، كالنقطة ، و النقطتين الرأسيتين ، و الفارزة ، و الفارزة المنقوطة ، و الوصلة المعترضة ، و علامة الاستفهام ، و علامة التعجب، و علامة الحذف ، و الاقواس الكبيرة ، و الاقواس المزدوجة الصغيرة … الخ . و هناك سبب منطقي في وضع أية علامة في مكانها الواجب وضعها فيه ، انه يتبع نوع الجملة من حيث الغاية منها . وقد ذكرت الأديبة المصرية رضوى عاشور: أنها تناقشت مع الشاعر الفلسطيني تميم ألبرغوثي , لمدة ثلاثة أيام حول مكان فاصلة واحدة حتى اتفقا. وهذا يدل على أهمية الفاصلة ومكانها.
أما في الشعر فهي تتبع الايقاع ، إن كان مخفيا أو معلنا للأذن ، وربما تستمر الجملة الواحدة في الشعر على بيت أو بيتين أو أكثر ، أو تتبع المعنى.
و نحن في هذه الدراسة سنقدم وصفاً لما يحمله النص الشعري من أدوات نحوية / شكليه تجعله أكثر تماسكاً لو تضافر مع أدوات أخرى سوف لا تقترب منها هذه الدراسة خشية التطويل .
***
الاتساق في الشعر:
هذه الدراسة ترصد عدداً من عناصر الاتِّساق في النصوص الشعرية التي ضمتها قصائد المجموعتين الشعريتين المعنونتين(الوعي المحلق بلا أجنحة) و ( غيوم الشرق لم تمطر) للشاعرة الجزائرية مونية لخذاري. وقد استندت هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات الاتِّساق من خلال رصد عناصر الوصل والربط في أبيات النص الشعري ، و خاصة حروف العطف المستعملة في قصائد الشاعرة ، و غيرها التي تساعد في الربط بين الجمل الشعرية ، أو الصور الشعرية ، أو الافكار الشعرية .
و الربط هذا هو تحديد للطريقة التي يترابط بها اللاحق مع السابق .
***
تضم مجموعة (الوعي المحلق بلا أجنحة) سبعا و عشرين قصيدة ابتداء من قصيدة (بصيرة أشواق) و انتهاء بقصيدة (ثرثرة عابرة) ، و هذه القصائد بمجموعها تضم من أدوات الربط (138) أداة قد توزعت على مجموع قصائد المجموعة .
خلاصة الجدول أعلاه :
– في عنوان قصيدة واحدة نجد أداة ربط واحدة هي “الواو” ، وهذا العنوان هو (تساؤلات أنثى وجواب أطفال).
– قصيدتان هما (بصيرة أشواق ) و (قرار الرحيل ) بلا أدوات ربط .
– عدد أدواة الربط في كل القصائد هو (118) مرة ورد “الواو” . و يليه (9) مرات وردت ” رغم ” . (4) مرات وردت ” بعد” . ثم (4) مرات ” فاء ” . و (3) مرات “هكذا” . و (3) مرات ” أم ” و (3) مرات ” لكن “. وبعدها مرتين “منذ” . و مرتين” أو ” . و آخر الادوات هو ” لعل ” إذ ورد مرة واحدة .
– قصيدة (عاصفة آتية) هي من القصائد التي تضم أكثر أدوات الربط ، إذ تضم خمس عشرة أداة ، هي : (11 و + 1 أو + 1فاء+1 أم + 1 بعد) .
– قصيدة (طريق البدء) أقل قصيدة تحوي أدوات ، إذ انها تضم (2 و ) .
– أكثر قصيدة تحوي على “واوات” فقط هي قصيدة (اوردة الظلام) إذ تضم خمسة عشر “واواً” .
– هناك عشر قصائد تضم “واوات” فقط من أدوات الربط ، و هي القصائد (بمقياس الجسد ، اوردة الظلام ، اللوحة العازفة ، دردشة رغبة ، هل ترى الماضي يعود ؟ ، جذور وجه ، غجرية وطن ، طريق البدء ، صراخ الشمس ،غمغمة تحت الظل) .
***
أما قصائد المجموعة الثانية (غيوم الشوق لم تمطر ) فضمت ثلاثا وثلاثين قصيدة . و من خلال الجدول اعلاه يمكن التوصل الى :
ان قراءة هذا الجدول يبين لنا ان الشاعرة استخدمت الادوات الاتية في قصائد الديوان:
– الاداة ” الواو ” (239) مرة.
– الاداة “الفاء” (15) مرة .
– الاداة “بعد” (12) مرة .
– الاداة ” أو ” ست مرات .
– الاداة “رغم ” ست مرات .
– خمس مرات الاداة ” ثم “.
– الاداة “لكن ” ثلاث مرات .
– مرتين الاداة ” أم “.
– مرة واحد الاداة ” هكذا ” .
– مرة واحدة الاداة ” أي “.
– مرة واحدة الاداة “لعل ” .
وأيضاً :
– القصيدة التي ضمت أقل أدوات الربط هي قصيدة ” سفر الروح” إذ ضمت “واواً ” واحداً .
– و قد ضمت قصيدة ” زهور الخريف” أكثر أدوات الربط ، و هي : “الواو” ،” أو” و “أم” و” بعد” و “الفاء ” و “رغم” و ” لكن “و ” ثم “، و قد ضمت ستا وستين أداة .
– تكررت الاداة “الواو ” خمسين مرة في قصيدة ” زهور الخريف ” .
– تكررت الاداة ” الفاء ” خمس مرات في قصيدة ” رقص التحيات ” و ” زهور الخريف”.
– تكررت الاداة ” بعد ” خمس مرات في قصيدة ” زهور الخريف ” و ” رقص التحديات” .
– تكررت الاداة ” ثم ” ثلاث مرات في قصيدة ” رقص التحديات ” .
***
مالذي تعنيه خلاصة المجموعتين؟
ان هذه الدراسة النصية الاحصائية أكدت بما لا يقبل الشك ان الشعر يختلف كثيراً عن النثر ، النثر العادي و النثر الفني، إذ كان دائماً يتجه الى الاقتصاد اللغوي و التكثيف فيها ، واستخدام بدلاً عنها أدوات الترقيم مثل النقاط ، او الفارزة ، دون ان يستخدم أداة العطف ” الواو ” ، إذ يستغني عنها كثيراً ، و هذا ما نراه في قصائد الشاعرة لخذاري في هاتين المجموعتين ، وخاصة في مجموعتها الأولى .
الا ان ادوات الربط ، مع قلتها ، تحافظ هي وأدوات الاتساق الاخرى مثل الضمائر، و الإشارات المحيلة إحالة قبلية، أوإحالة بعدية، الاستبدال، والحذف، وغيرها من الوسائل التي يرصدها المحلل الواصف على اتساق الخطاب.
(*) فصل من كتابي الجديد المعنون ( التماسك النصي من خلال أدوات الربط ).









