داود سلمان الشويلي
تنهض الرواية منذ ان نشأت في الادب الروائي قبل اكثر من قرن تقريباً على نصوص سابقة لها، سواء كانت النصوص هذه شفاهية أو مكتوبة ، واقعية أو متخيلة ، على الرغم من أن المتخيل منها هو قد نهض على بعض ما في الواقع من أمور.
فالنصوص الروائية هذه قد وجدت – بوعي من كاتبها أو بلا وعي منه – نصاً آخر توكأت عليه فاستقامت واقفة في صف الروايات التي سبقتها في القيمة النوعية ، أو القيمة الكمية.
النصان ، السابق واللاحق أو المجايل، يقف بينهما ما يمكن تسميته بـ ” التناص ” ، أو ” المثاقفة ” . أي يتناص النص اللاحق مع النص السابق كلياً ، أو في بعض ملامحه العامة .
***
و التناص هو آلية إجرائية لمعرفة النص السابق الذي تناص معه النص اللاحق ، وكذلك معرفة الأمور التي تناص فيها ، أو نهض عليها ، أو تثاقف معها .
حددت( كريستيفا ) مفهوم التناص على انه : ( تداخل النصوص ) ( – راجع كتابنا : الذئب و الخراف المهضومة) . لكي توضح : (( انه ليس هناك أدب بنيوي يمكن النظر اليه من منظور جزئي ، وان كل شيء يشير الى شيء آخر دائماً ، وان كل نص يقبل قراءات جديده دائماً ولكن بترابطات مغايرة ، وان كل نص يشير الى غيره في النهاية)).ص 17
فالعبارة هذه تؤكد على أن:
– كل شيء يشير الى شيء آخر.
– كل نص يقبل قراءات جديدة .
– كل نص يشير الى غيره .
– اختلاف الترابطات .
سنفحص رواية علي لفته سعيد ” وشم ناصع البياض ” التي صدرت طبعتها الأولى عام 2001 في طبعة الثانية عام 2018، من خلال هذه الامور باستخدام آلية التناص التي ستوضح ذلك ، و هي على مستوى الانتاج تعد من التناص الخارجي ، أي اعادة انتاج منتج من قبل الاخرين . ص19
***
النص السابق :
قلنا إن كل نص جديد ينهض على نص سابق له ( أو نصوص ) ، أو بعضه ، أو نص مجايل له ، أو بعضه ، ان كان هذا النص شفاهياً أو مكتوباً ، للغير أو للكاتب نفسه .
والنص السابق لرواية ” وشم ناصع البياض ” بوعي ظاهري من الكاتب ، أو باطني ، ينهض على القرآن ، الذي بدوره ينهض على القصة الخيالية التي ترد في مواعظ المسيحيين إبان عام 500 م أو قبله و تدعى قصة ” النيام السبعة ” .
النص الديني :
((* أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا(10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا(12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا(14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(15)وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا(16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا(17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا(20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا(21) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا(22) ). (الكهف :9 – 22 ) . تتحدث الآية عن قصة أصحاب الكهف ، أو ما تسمى في الأدب الديني المسيحي بقصة ( النيام السبعة ) ، فيما روايتنا ” وشم ناصع البياض ” تقوم على هذه الثيمة ، أي ثيمة اختباء أشخاص ومحاولة خروجهم الى العالم الخارجي من مخبئهم ، للبحث عن جدهم الغائب، و ما يمثله الجد من قيمة عليا ، فتتناص مع هذه الثيمة .
الآية تذكر أن العدد الأعلى للنيام هو سبعة ، فيما الرواية تذكر هذا العدد ، وهم أحفاد لرجل كبير السن ، يغيب عنهم فيخرجون للبحث عنه، في وقت يكون الخارج عن مكانهم خطرا على حياته.
هذا أول تناص بين النص الديني و النص الروائي .
***
قسم الكاتب روايته الى سبعة أقسام ،هي :
أولاً – بداية نهار – ص5 .
ثانياً- صباحٌ أوّل – ص36.
ثالثاً – نهارٌ سابع – ص63 .
رابعاً- يومٌ تائه – ص89 .
خامساً – ظهيرةٌ بعيدة – ص117 .
سادساً- خارطةُ وشم – ص142 .
سابعا – وشم غائب – ص163 .
وهذا التقسيم يتناص مع ما مذكور في القرآن في أن الله خلق الكون و الكائنات في ستة أيام ثم استوى على العرش ،((قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ )) (فصلت:9 – 10 )، أي في اليوم السابع استوى على العرش ، كما تذكرة الآية في التوراة ، إذ تقول التوراة : ((اليوم السابع: بعد إكمال خلق السماوات والأرض فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه لان فيه استراح من جميع عمله الذي عمل)) .( سفر التكوين :5)
و هذا ثاني تناص بين الرواية والنص الديني ، القرآن .
***
قلنا النص الروائي يتناص مع النص الديني بالأمور الاتية :
اولاً – الأحفاد:
إضافة للجد الذي يشكل للاحفاد: ((…مصدر إلهامنا. علمنا أن نكون أكثر صبرا وصلابة وتعقلا.هو الذي علمنا الإيمان الحقيقي.بدون الجد لا نساوي شيئا..)) ص34 . فهناك سبعة أحفاد ، هم :
1 – الكبير :
وهو : ((عطوف، لا يخطئ.. حكيم.. هادئ هدوء البياض.. قادر على إظهار الدليل على صواب ما يراه من صحة تشخيصه للأخطاء. قالوا له : أنت وحدك من يقتفي خطوات الجد.. قلوبنا رهيفة، واجسادنا نحيفة .. عصرتها الأيام، وجعلتها الزوابع تستبدل رعشاتها بطنين يفقد قطبيه كلما اقترب التفكير من الوصول الى القناعة..)) . ص11
((يحاول جاهدا يجعلهم يلجون طرقا معروفة. ذاكرته لها أجراس توقظه كلما حلم بإغفاءة أو تأتيه عنوة، حتى لو غطاها الرماد المتكاسل)) . ص10
و هو أيضاً : ((كان يراهم يستدرون عطف كبيرهم وحنانه، مثل مساكين لا يفقهون ما يحيط بهم وما يحاك لهم في ظلمات الأرض. قالوا له : أنت كبيرنا الذي مازال يمسك بالعنبر ليوزع رائحته الزكية.. ويمسك بالغيم ليسقي عطش العقول.. يدرب صوتنا لنردد بشجن الماضي حزن الحاضر.. لا يحملك الهوى ولا يأخذك الهيام، نعرفك مثل ماسة صلبة كبيرة و لماعة حتى في السواد الحالك، نقي البال صافي السريرة، رقيق المشاعر، قويا في لحظة الاقتحام، لك إرادة لا نمتلكها، ولا طاعة نخاف هجرانها، منتصرا على هواجسك. طاردا فجوات الريح، أعطاك الج ّ د حضنه وأفكاره، ومنحك الأب تجربة الحياة. وبقينا بين ظل وظل نبحث عن ظلنا ولم نر الضوء.)) ص11
و هو يستحث فيهم العقل ، إذ يقول :
((- اسمعوا.. إن غياب الجد لا يعني أن تكونوا كمن غاب عنه العقل. عليكم أن تسألوا أنفسكم.. أمن المعقول أن تتركوا جدكم خارج الغرفة وفي هذا الظرف بالذات يتعرض للقصف وربما للموت؟ )) ص34
***
2 – الثاني :
((أسموه صاحب الجرح ليمكنوه من نسيان تشويه وجهه. وتتعود أذناه على السماع فيخرج من صمته الى الحياة.)) . ص16 – 17
***
3 – الثالث:
و هو صحفي ومثقفهم :
(( قالوا له: إننا نتباهى بك أمام الناس، في العائلة صحفي ، أنت هبة الله في هذا البيت. وجدنا كثيرا ما كان سندا لك، فيجعل تحليلاتك تأخذ أبعادا أكثر قدرة على ولوجها في الحقيقة. وكلمتك مسموعة كما الكبير.. حاول أن يفرش الفطنة ويرسخ ملمحها في وجهه المثلث، وصلعته التي في قفا رأسه تشبه صلعة أبيه.. كانوا يقولون له: إنك شبيه أبينا، وجها وخلقا وطباعا.. لهج بكلمات رسمت أمامه.. كأن صفحات الكتب الكثيرة أسعفته بغاياتها العظيمة.
– إن معرفة آثار الجد مسؤوليتنا أيها الأخوة.. علينا أن نبحث عنه جميعا.. لأنه حقيقتنا، لنتمكن بعدها من رؤية الطريق.)). ص17
***
4 – الرابع:
هو شيخ يتحدث في الورع و التقوى و الفضيلة . ص18 .
***
5 – الخامس :
((له لسان لا يهدأ، حتى أنهم أسموه المهذار. لا نهاية لحديثه المكرر المقاطع. مرتديا عصبية زائدة فضفاضة، فيصير أمامهم إن تكلم بأمر يريد اقناعهم به كرجل نصف مجنون.. مطيلا رقبته لحظة واتعاب حنجرته.. بالعا ريقه منبها الى ضرورة الانتباه.. كان يراه وقد برزت وجنتاه وانحسر خداه.)) ص 16
***
6 – السادس :
(( ذو الوجه المبتسم دوما حتى لو كان غاضبا.. لا أحد يثق به، له صفرة رجل نحيف البنية ، وقلب خافق بكريات الضحك وقدمان اتعبتا التراب في الطرقات. كان الهوى سار بين أضلعه، لا أحد يدري من أين ورث اختلاط الضحك بالجد، ليكون بمنأى عن كل أمر. كان يرفع صوته إذا ما حاولوا إصلاحه. بضرورة ترك الأرصفة وملاحقة البنات، وأن يكون أكثر فائدة حين يتطلب الموقف حزم الأمور..)) . ص13
***
7 – الصغير:
(( صبيا لا يفهم شيئا إلا المشاركة في الحديث..)) ص9
***
و في القسم الاخير يجمعهم في فقرة واحدة حسب قول الصغير : ((وعندما يأتي الصباح يسأل اخوته عن النهاية، فكان الضحاك يمازحه والمهذار يلومه والشيخ ينعته بقلة صبره وصاحب الجرح بعدم الثبات ويكتفي الكبير بأن يربت على كتفه ويمسد شعره، فينبري أخوه الصحفي بتكملة الحكاية.)).ص167
***
ثانياً – البحث عن القيمة العليا:
اذا كان النص الذي تناصت معه الرواية ، و هو نص أصحاب الكهف ، يخبرنا أن الفتية الذي آخر عدد لهم في الآية هو سبعة ، كانوا قد وجدوا طريق الايمان بالله ، فإن النص الروائي ترك الاحفاد يبحثون عن الجد ، أو ما يمكن ان نقول عنه(الله) لأن مهمتم الاصلية: ((لقد أمرهم بمهمة البحث عن آثار الجد وخطواته التي ضيعوها بكسل آسن، وتركهم عرضة للوساوس والخوف من المجهول.)) . ص10
و قد قال الثالث :((- إن معرفة آثار الجد مسؤوليتنا أيها الأخوة.. علينا أن نبحث عنه جميعا.. لأنه حقيقتنا، لنتمكن بعدها من رؤية الطريق. ضرب المهذار فخذه.. مولولا بحشرجة مخنوقة.. رافعا ذراعه كمن يشهر مسدسا :
– كأننا مثل التائهين في العراء، مشتتي الآراء. وقاماتنا المديدة استبدلنا بها الجلوس قرب سيقاننا. واحدكم يضحك ليبكي وآخر يقول قولا مأثورا في نفسه مغمسا بالصلاح وكأننا عباد)) .ص17
***
ثالثاً – المكان :
حيث يكون مكان اختباء أهل الكهف في كهف منعزل و بعيد عن الناس . فيما يختبئ الأحفاد السبعة في الرواية في غرفة منعزلة .
((أتعبهم الكلام، واحترقت حلوقهم بدخان السكائر حتى انحدر بهم الصمت وانطفأت خلف تشابك القيود أشكال منحوتاتهم البارزة على جدران الغرفة.. لم تكن غرفة يسكنون إليها فقط. كانت عبارة جداريات متصلة.. متراصة. كلما نظروا إليها جاءتهم ابتسامات أنيقة لتضيء لهم تاريخا من الزهو.)) . ص9
***
4 – الزمان :
وهو الوقت الذي مر على أصحاب الكهف ، و في الوقت نفسه الذي مر على الأحفاد في النص الروائي ، فنرى الزمن يتجلى بالشمس و حركتها (تزاورهم) بين الشروق و بين الغروب .
النص الديني يخبرنا : ((وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا )).
فيما النص الروائي يخبرنا : ضاربة بأجنحتها فضاء ضيقا تعبث به ريح ذلول، ساخنة كأنها تمر على جذوع لم تنخر بعد لعل الروح تنبعث منها من جديد أو تحرقها بلا ضجيج.. كانت حين تلفح وجوههم، يوارونها جهة الظل، ظل بالانعاش حتى لو كان كاذبا. يراهم هم جالسون.. خائفون من الخروج، يلتقطون الآني ويتركون التفكير بالذي مضى والذي سيأتي.. يتمنون انقضاء ما ينغصهم لينطلق كل الى تدبيره بحوافر لا تعرف كيف تقود أبدانهم.)) ص10
فاستخدام عبارات ” ريح ذلول ساخنة ” ، و ” كانت حين تلفحهم ” ، و ” جهة الظل “، تعطي معنى تجليات الزمن .
***
5 – القائد:
واذا كان النص الديني لا يذكر القائل منهم: ((قال قائل منهم)) (19 ) ، فإن الرواية تجعل من الأخ الأكبر هو الذي يقود إخوته للبحث عن الجد : ((.. فكبيرهم عطوف، لا يخطئ.. حكيم.. هادئ هدوء البياض.. قادر على إظهار الدليل على صواب ما يراه من صحة تشخيصه للأخطاء. قالوا له : أنت وحدك من يقتفي خطوات الجد.. قلوبنا رهيفة، واجسادنا نحيفة .. عصرتها الأيام، وجعلتها الزوابع تستبدل رعشاتها بطنين يفقد قطبيه كلما اقترب التفكير من الوصول الى القناعة..)) ص11
((كان يراهم يستدرون عطف كبيرهم وحنانه، مثل مساكين لا يفقهون ما يحيط بهم وما يحاك لهم في ظلمات الأرض. قالوا له : أنت كبيرنا الذي مازال يمسك بالعنبر ليوزع رائحته الزكية.. ويمسك بالغيم ليسقي عطش العقول.. يدرب صوتنا لنردد بشجن الماضي حزن الحاضر.. لا يحملك الهو ولا يأخذك الهيام، نعرفك مثل ماسة صلب ة كبيرة و لماعة حتى في السواد الحالك، نقي البال صافي السريرة، رقيق المشاعر، قويا في لحظة الاقتحام، لك إرادة لا نمتلكها، ولا طاعة نخاف هجرانها، منتصرا على هواجسك. طاردا فجوات الريح، أعطاك الج د حضنه وأفكاره، ومنحك الأب تجربة الحياة. وبقينا بين ظل وظل نبحث عن ظلنا ولم نر الضوء.)) ص11
***
6 – الشر:
النص الديني يجعل من الحيوان ” الكلب” أداة مراقبة . فهو يراقب ما يأتي من خارج الكهف من شر .(( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)) (الكهف :18). أما النص الروائي فإنه يقلب الوظيفة ، أي من المحاكاة النقيضة على مستوى المحاكاة ، فتكون مجموعة الكلاب هي الممثل الشرعي للشر : ((طرق أسماعهم نباح الكلاب في الخارج.. نباح مبحوح، أعادهم لاحتساب ضربات القلب. هزهم الترقب برؤوس اعترفت فيما بعد بقساوة المظهر. دوى صوت صافرة الإنذار كذئب يعوي في الصحراء، تعطي إنذارا متقطعا.. صارت ميزان الحذر الذي يقي الناس شر ما يأتيهم من الطائرات المخترقة للمجال للبدء بالهجوم والقصف والتدمير في أي مكان يراه الطيارون مناسبا لرمي صواريخهم )). ص 22
***
7 – بين الحلم و الواقع :
في نهاية الرواية يحلم الصغيربجده و هو يكلمه ، ويستيقظ على طرق الباب ، فينهض و بيده ورقة كتب فيها الجد بعض وصاياه لاحفاده . يفتح الباب يجد اخوته فيسلمهم الورقة .
نتساءل: هل جاء الجد الى الحفيد الصغير في الحلم أم في اليقظة بوجود الورقة المكتوب عليها الوصايا ؟
وعند العودة الى النص المتناص معها نجده قد وضع القارئ في حيرة من أمره ، فكم كان أصحاب الكهف؟ ((ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا )). (الكهف : 22 )
و كذلك : ((* وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم. قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا)).ص21
و هكذا ، النصان يحيران القارئ ، في العدد بالنسبة للنص الديني و في مصدر الورقة . و هذه الحيرة في النص الروائي تكون عوناً للنص في زيادة الاثارة و الدهشة و الانبهار ، و التساؤل المشروع الذي يفضي الى بقاء النص الروائي في ذاكرة القارئ لفترة طويلة .
***
إن الرواية ما زالت تبحث لها عن سند في الثقافة العامة للمجتمع الذي تنبثق منه . و ها هي تستند الى القرآن ، فهل نجح الكاتب في اثارة و إنارة النصين في ذهنية القارئ ،النص المتناص معه وهو القرآن ، و النص الروائي ؟
ان اعادة قراءة النص الروائي ، و كذلك النص هذا سيجيبه على هذا السؤال .
***









