دراسات

سيميائية الشخصية في رواية "أوراق المجهـــول" للكاتـــب داوُد سلمــــان الشويلــــــي

مسار حميد الناصري

 

   وتُعزى الدراسات الرائدة حول الشخصية إلى أعمال الشكلانيين الروس إذ حاولوا تحديد هويتها بوساطة أفعالها دون إغفال العلاقة بينها والشخصيات الأخرى في العمل أي إن ما يميز نقد الشخصية هنا هو الانتقال من داخل الشخصية إلى خارجها وذلك بالنظر إلى الأدوار التي تقوم بها والاستعمالات المختلفة التي تكون موضوعا لها .

   وقد جرد تزيفان تودوروف الشخصية من محتواها الدلالي وتوقف عند وظيفتها النحوية فجعلها بمثابة الفاعل في العبارة السردية أي إنه يعد الشخصية قضية لسانية ومجرد كائن ورقي ليس له وجود خارج الكلمات. أما غريماس فقد حاول الربط بين المظاهر اللسانية والدلالية والسيميائية من جهة وبين السيميائية وعلم السرد من جهة ثانية، وهو ما اسفر عن تأسيس النظرية السيميائية السردية فعد الشخصية بنية دالة من جهة وعنصراً سردياً من جهة ثانية, وكان للشخصية الروائية الحظ الأوفر من اهتمام فيليب هامون فهو ينظر إلى الشخصية بمنظور سيميولوجي ويرى أنها وحدة دلالية “علامة” قابلة للوصف والتحليل بمعنى ان الشخصية عنده علامة تشبه الدليل اللساني يتمثل في مجموعة الأسماء والصفات التي تحدد هويتها وما يدل عليها هو ما تقوله وما تفعله وما يقال عنها في النص، وهي مورفيم يتكون من دال ومدلول وهذا المورفيم يتغير من نص لآخر. وبعد هذه المقدمة البسيطة عن رحلة الاهتمام بالشخصية الروائية نلج عوالم شخصيات رواية “أوراق المجهول” لكاتبها  داود سلمان الشويلي .

“كثيرون هم الذين اتخذوا من الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم”.

” الجهل يعمي أبصارنا ويضللنا أيها البشر الفانون إفتحوا عيونكم”.

   بين اقرار حقيقة وتحذير، تجري أحداث رواية “أوراق المجهول” التي تحكي لنا حكاية انتظمت في  ثماني عشرة ورقة فضلاً عن ورقتين خارجيتين أولاهما تمهيداً والأخرى نفياً وإعلان براءة فقد تبرأ الكاتب معلنا انها ليست واقعاً وإنما هي خيال ومخيال فنان.   الحكاية تسردها لنا الشخصية الرئيسية في الرواية، تذكر لنا ما سببته وفاة الشيخ – من دون أن يوصي بالمشيخة لأحدهم- من دمار وخراب طال الإنسان والأرض والحيوان وأدى إلى انشقاقهم وتفرقهم في شرق الأرض ومغاربها وقيام الوكلاء بنهب وسلب خيرات الارض بحجة انتظار عودة المنقذ والموحد/ ابن الشيخ المغترب الى القبيلة  لكن التساؤل يبقى ملازما لشخصية الرواية لماذا لم يوص الشيخ بالمشيخة لأحدهم؟ وما الذي كان؛ ليكون هذا الخراب الذي فرق بين الأخ وأخيه وأبعد الحبيبة والخطيبة وابنة العم عنه بعد ان هاجرت هي وعائلتها مع من هاجروا؟ وهل هناك من ينتظرون قدومه من الخارج ليحمي الداخل من التفكك والانحطاط ؟أرى في رواية داود سلمان الشويلي على الرغم من اعلانه البراءة منها إلّا انها رسالة موجهة ورمز لحال سياسي نعرفه جيداً .  

أنواع الشخصيات :

   إذا أمعنا النظر في رواية “أوراق المجهول” نلاحظ أن الكاتب قد وظف شخصيات وإن كانت ليست كثيرة ولكنها مهمة تعددت أدوارها وتباينت أبعادها وتقاطع بعضها في عناصر هامة ومركزية إذ إنها تشكل في مجموعها القضية العامة التي يسعى الكاتب الى عرضها ومعالجتها وقد قدم هامون محاولة تصنيفية للشخصية الروائية تتكون من ثلاثة أنماط وهي:

اولا – فئة الشخصيات المرجعية: وهي التي تحيل على معنى ناجز وثابت أقرته ثقافة ما وتجسده مشاركة القارئ في تلك الثقافة وتضم الشخصيات التاريخية والاسطورية والمجازية والاجتماعية. تحفل رواية “أوراق المجهول” بشخصيات ذات مرجعية اجتماعية تحيل على نماذج أو صفات اجتماعية أو على فئات قد لا توجد فعلاً خارج القصة إنما هي ممكنة الوجود فإن سماتها وملامحها وأفعالها مستقاة من مجتمع ذي وجود حقيقي في بعض جوانبها محيلة عليه, وانطلاقا من ذلك يمكننا تصنيف هذا النوع من الشخصيات داخل الرواية الى :

•الشخصيات المتسلطة وهي الفئة السالبة لحقوق الآخرين ونجدها في الرواية متمثلة بالوكلاء, أما موقف الكاتب منها فهو يحاول أن يظهر لنا الجانب السلبي من وجود هذه الفئة لتصل إلينا أفكاره وموقفه منها.

•الشخصيات المهمشة التي تسعى من أجل كسب لقمة العيش, المسلوب حقها في اتخاذ قرار مصيرها أو التنعم بخيرات أرضها وتنعت هذه الفئة بالذل ودنو المرتبة .

الشخصيات المجازية أو ما يمكن الاصطلاح عليها بـ ” المعنوية” لأنه ليس لديها وجود مادي ملموس لكن لديها أبعادها المعنوية المرتبطة بالشخصية الرئيسية والشخصيات الثانوية، من ذلك شخصية ابن الشيخ المغترب الذي لا وجود له في الرواية إلّا بما تمدنا به الشخصيات الأخرى عنه. 

ثانيا – الشخصيات الاشارية ” الواصلة” :هذا النوع من الشخصيات ، علامة على حضور المؤلف والقارئ أو من ينوب عنهما في النص وهي غالبا ما تكون ناطقة باسم المؤلف، من ذلك شخصية خيري وهي شخصية أبدعها الراوي وجعلها ناطقة بما أراد أن يفصح عنه في الواقع المرير ولتكون شخصية واصلة وقناة اتصال بين القارئ والنص بوصفها الناطق الرسمي لكل الاحداث.

ثالثا – فئة الشخصيات المتكررة : وهذا النوع من الشخصيات كما يرى هامون تقوم داخل الملفوظ بنسج شبكة من الاستدعاء والتذكر بأجزاء ملفوظية ذات أحجام متفاوتة وظيفتها تنظيمية وترابطية بالأساس ومنها الشخصيات القادرة على التذكر أو الاسترجاع وقد عرفت حضوراً لا بأس به في النص وفي مقدمة هذه الشخصيات الشخصية المحورية “خيري” التي اتخذت من الكتابة وسيلة لسرد حكايتها والعمل على تدوينها والحفاظ عليها من الضياع. كما نجد شخصية أخرى تسترجع بعض أحداث الماضي هي شخصية العمة وردة التي أضفت على النص دلالات عميقة وشحنت ذهن القارئ بأفكار مفيدة جعلته يفهم النص أكثر ويعي مختلف العلاقات الخفية التي يحفل بها الراوي كرموز واشارات .

   وقد أشار هامون إلى أن بإمكان أي شخصية أن تنتمي في وقت واحد أو بالتناوب لأكثر من فئة  من هذه الفئات لذلك قامت شخصية خيري بوظائف متعددة داخل السرد فنهضت بدور الشخصية الاسترجاعية وذلك بسرده لقصته وهي الشخصية الواصلة التي تؤطر الأحداث وتمرر المشاهد وتؤدي المواقف وتفتعل العلاقات على الشخصيات الأخرى, فكل الوظائف السردية متصلة بها اتصالاً عضوياً حيث لا يوجد اداء حركي او لغوي إلّا وصدر منها .

طريقة تقديم الشخصية :

   يلجأ الكتّاب إلى طرائق متباينة لتقديم شخصياتهم الروائية، فهناك من يقدمها بشكل مباشر حين يخبرنا عن طبائعها وأوصافها أو يوكل ذلك إلى شخصيات أخرى فيكون التقديم بشكل غير مباشر حين يترك الكاتب للقارئ أمر استخلاص النتائج والتعليق على الخصائص المرتبطة بها بواسطة الأحداث التي تشارك فيها أو الطريقة التي تنظر بها الشخصية إلى الآخرين, وهناك من يحجب عنها كل وصف مظهري, وأمام هذه الإشكاليات جميعا يقترح هامون مقياسين هامين يسمحان بالتعرف على الشخصية وتصنيفها دلاليا :

1 -المقياس الكمي : وينظر الى كمية المعلومات المتواترة المعطاة صراحة حول الشخصية, وقد لا يمدنا هذا المقياس بما نحتاجه لفهم تكوين شخصيات رواية “أوراق المجهول” ومقومات بنائها؛ فإن الرواية تتميز بندرة المعلومات المعطاة حول الشخصيات مما يؤدي إلى ضبابية صورتها وعدم إعطاء انطباع واضح ومتماسك حولها ولعل الكاتب هنا أراد أن يقيم قطيعة مع الطرائق الرائجة في تقديم الشخصيات وذلك باعتماد فرضية تقول بأن الشخصية المتروكة بدون وصف أو دون تمييز يمكنها أن تكون أكثر حضوراً في الرواية من الشخصية الموصوفة بوضوح تام .

2 -المقياس النوعي : أي مصدر تلك المعلومات حول الشخصية هل تقدمها الشخصية عن نفسها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى أو المؤلف أو هي معلومات ضمنية نستخلصها من سلوك الشخصيات وأفعالها؟.في “أوراق المجهول” تعد أقوال الشخصيات الروائية من بين أهم مصادر العملية الاخبارية إذ تعمل على كشف جوانيات الشخصيات والغوص في أعماقها لمعرفة أفكارها ورؤاها وتوجهاتها بخاصة سواء أكانت الشخصية المحورية أو الشخصيات الثانوية التي تنقل لنا الشخصية المحورية احاديثها.

أسماء الشخصيات : 

   نلاحظ أن جل الأسماء الموظفة في الرواية ليست غريبة عن بيئتها فهي مستمدة من أصول عربية وكلها مشتقة من دلالات لغوية مجردة مرتبطة بالحالة الاجتماعية, أما فيما يتعلق بمطابقة هذه الأسماء لأقوال الشخصية وأفعالها، فيمكن تصنيفها إلى مستويين دلاليين:

أ: المطابقة بين الشخصية وعلامتها اللغوية .

ب: المفارقة بين الشخصية وعلامتها اللغوية .

   لقد اختار الكاتب اسم خيري للشخصية الرئيسية في الرواية وكذلك اسم خيرية لحبيبته وكأنه أراد أن يقول إن الخير موجود في أصل الانسان ومتوافر فيه حتى يتعرض لمواقف تسلبه ذلك الخير وتفرق بينه ومن أحب. وكان اسم راضي للشخصية الثانوية في الرواية يدل على الرضا والقبول ومسايرة الأمر ليبدو لنا بعد ذلك أن راضي غير راض عما يجري منتقداً الأوضاع والضياع ومشاركاً للشخصية الرئيسية في تساؤلها واعتراضها. أما اسم الشخصية التي كانت صبية وتزوجت من الشيخ وخرجت بعد وفاته كما يقول الكاتب من المولد بلا حمص، فكان اسمها وردة وقد فارقتها دلالة الاسم بعد ان اصبحت عجوزا مريضة, أما اسم رديف لشخصية آخر الوكلاء فهو يعني الراكب بعد الراكب وهذا يعني تتابعية السلب والنهب وبعدها الوفاة كما توفي الوكلاء السابقون ويبدو أن الاسماء التي اختارها الكاتب تبدأ اختياراً اعتباطيا وبعد ذلك   تأخذ  دلالتها في الرواية. 

الروائي والقارئ في رواية أوراق المجهول:

   تتميز رواية “أوراق المجهول” بهيمنة الجانب السردي على القولي فالراوي وهو أحد الشخصيتين المحوريتين المشاركة في خضم أحداث القصة المتخيلة هو من يحدثنا عن شخصياته مباشرة ولا يتيح لها المجال للتحدث بأصواتها والتحاور فيما بينها إلّا ما ندر وهو الناقل والسارد لهذا الحديث وهذا ما يضعف العنصر الدرامي داخل الرواية فلا يعطي حيوية مشاهدة الأحداث مباشرة، فالرواية تخضع لسيطرة كلية من قبل الراوي وهيمنة رؤية أحادية إذ إنه لا يعرض من أقوال هذه الشخصيات إلّا ما يدعم أفكاره ورؤاه, واذا قلنا إن الروائي استطاع أن يثبت حضوره بوساطة الشخصية الساردة بتعليقاتها وتبريراتها وتوجيهاتها وحتى شخصيات اختارها وموضوعات وثيمات انتقاها وان يبرز على متن النص ويبرر موقفه الثقافي والايديولوجي فما هي علامات حضور القارئ في النص بوصفه الطرف الثاني في العملية الابداعية ؟

   يوفر لنا نص الرواية جملة من العلاقات التي تفرض وجود القارئ منها الاشارات المباشرة  مثل الخطاب المباشر الذي تكرر اكثر من مرة وهو يريد من القارئ مشاركته بقوله:” أيها القارئ شاركني” لجعله جزءا من الحكاية فالكاتب يهدف الى جعل القارئ واعيا بصعوبة الحياة والمواقف التي تمر بها شخصيات الرواية. أما الاشارات غير المباشرة فنجد الكاتب في هذه الرواية قد استعان ببعض الأمثال والحكم لتؤكد لنا نوع القارئ الذي يتوقع منه ان يقرأ النص ويتناوله بالدراسة والتحليل ومنها:

بعد ما شاب ودوه للكتاب , بالوجه مرايا وبالكفة سلاية. صعد لحم نزل فحم .

   بناء على ما تقدم، نخلص الى ان الكاتب استطاع بواسطة المرجعيات والتقنيات ان يعطي للقارئ حقه بوصفه جزءا من النص ووفر له كل الظروف التي تساعده على تفكيكه وملء فراغاته بعد القراءة والتحليل .

   لكني أطلب من الكاتب ان يمنح القارئ ثقته فهو كثيراً ما يقود القارئ من يده ليصل به الى ما يريد وكان عليه ان يترك النافذة مواربة بالتلميح لا بالتصريح ويبتعد عن كثير من التكرار في الوصف فتكون شخصياته اعمق فنياً وأكثر تأثيراً في القارئ.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان