فواد الكنجي
فالمرأة بعد أن عانت من وطأة التمييز.. والحرمان.. والاعتداء.. واللامساواة حتى أمام القانون – وخاصة في قوانين الأحوال الشخصية – بما صدر من قوانين تنطوي على التمييز ضد المرأة وتحصرها في يد الرجل من أفراد أسرتها؛ حيث يجبرن على الزواج وهن في سن الطفولة ودون رغبتهن، بل والى تنظيم النسل بالإكراه، ولهذا فان المرأة خلال مسيرة حياتها وفي اغلب بلدان العالم الغربية منها والشرقية تتعرض إلى العنف.. والتمييز.. والتبعية.. والخضوع.. وتكميم الأفواه.. وضربها في المنزل.. والى التحرش اللفظي في الأسواق وفي الأماكن العامة واغتصابها أثناء الاضطرابات وحالات الفوضى والصراعات المسلحة.. والأوبئة، كما يحدث في أيامنا هذه اثر تفشي وباء (كورونا) وما خلفته الجائحة الوبائية من تبعات خطيرة في المجتمعات أثرت تأثيرا بالغا في سلوكيات الكثير من الأسر ليس في الغرب فحسب بل في الشرق أيضا نتيجة ما ترتب عنه من طول فترة الإغلاق العام وتراجع أنشطة الحياة الاجتماعية والاقتصادي والذي انعكس سلبا على أوضاع الأسرة ما ضاعف العنف الأسري .
العنف الأسري في ظل تداعيات وباء كورونا
ويأتي تفاقم (العنف الأسري) مع استمرار فشل اغلب حكومات دول العالم في مواجهة جائحة (كورونا) وفرض قيود على البقاء في المنزل ولفترات طويلة بعد ان تم تعطيل الدوام الحضوري لأغلب المدارس في دول العالم مع تقليص ساعات العمل في الدوائر الحكومية وما رافق ذلك من ارتفاع مستمر في عدد العاطلين عن العمل مع تدهور الأوضاع الاقتصادية للعائلات الفقيرة والكادحين وفي صفوف أصحاب المتاجر والمطاعم و الورش الصغيرة التي أغلقت وتعطل عملها؛ الأمر الذي أدى إلى بقاء كل هذه الشرائح الاجتماعية في منازلهم ولفترة طويلة، ونتيجة اندثار دخول الأفراد والأسر أصاب الكثير منهم نوع من الهستريا النفسية والقلق النفسي مع غياب الإعانات والمساعدات الحكومية لهذه العائلات، ونتيجة بقاء أفراد العائلة الواحدة في المنزل وخاصة إذ كان لا يتناسب مع عدد إفراد الأسرة؛ فان الاحتكاك فيما بينهم سواء بين الأطفال أو الشباب أو الزوجين أنفسهم وارد، وان أي نقاش يدور فيما بينهم يفاقم الاوضاع أكثر بسبب الحالة النفسية التي يعيشها الفرد تحت الحجر المنزلي لفترة طويلة؛ وهذا ما يعرضهم إلى مخاطر (العنف المنزلي) . ومما يزيد من توتر وتقلب مزاج الرجل أو المرأة نتيجة المكوث الطويل بين الجدران الأربعة هو زيادة حالة الشكوك عند احد الشريكين حين يرى اهتمام الاخر متزايدا بشبكات التواصل الاجتماعي وقضاء أوقات طويلة امام شاشة الموبايل أو اللابتوب أو الكمبيوتر؛ فيحاول كل طرف مراقبة الاخر بهذا الشكل أو ذاك والاصرار على معرفة كلمات المرور نتيجة الغيرة والظنون والشكوك بالخيانة الزوجية، وفي أحيان أخرى يأتي (العنف الأسري) نتيجة الأنشطة الجنسية القسرية التي يفرضها الرجل على زوجته وما يصاحبها من عدم الانفعال والبرود الجنسي ما يفاقم الأمر بين الزوجين. وقد تحدث لمشادة كلامية بين الزوجين سواء لهذه الأمور أو لأمور اجتماعية وأسرية أخرى نتيجة إنفاق المال وفقدان مصدر الدخل، والأمر يكون كذلك باتجاه افراد الأسرة خاصة إذ كانوا مراهقين أو شبابا؛ وهذه الأمور هي التي تربك العلاقات السليمة بين افراد الأسرة الواحدة. وكلما زادت فترة (الإغلاق) التي تفرضها حكومات الدول نتيجة تفشي الوباء ارتفعت نسبة (العنف الأسري) .
إذ إن هذه الأزمات المجتمعية التي ازدادت في ظل جائحة (كورونا) هي بعض مما يسببه الإجهاد.. والتوتر.. والقلق.. والعصبية.. وتقلب المزاج.. وحالات التوتر النفسي التي تتصاعد بين أفراد الأسرة. وفي بعض الحالات قد تتجاوز الأمور ذلك لتصل إلى إيذاء نفسي وجسدي سواء بالإحراق أو القتل أو الانتحار وما إلى ذلك، ففي مثل تلك الحالات تكمن المخاطر؛ ما يتحتم تدخل الدولة في تشريع قوانين خاصة تخص (العنف الأسري) لوضع حد لمثل هكذا تصرفات .
اليوم، الكثير من الاتحادات والنقابات والمنظمات النسوية خرجوا بتظاهرات واحتجاجات مطالبين بضرورة تشريع قوانين تخص (العنف الأسري) لان أعداد الضحايا في تزايد بشكل مرعب تمثلت بالقتل.. والاحراق.. ورش حامض لتشويه أجساد النسوة.. أو رمي الضحية من شرفات مرتفعة.. إلى غيرها من الانتهاكات الممنهجة ليس فحسب في المجتمعات المتخلفة التي تسود فيها الأعراف والتقاليد البالية بل حتى في المجتمعات الصناعية والمتطورة؛ لدرجة تعد هذه الممارسات (أوبئة اجتماعية) والتي تمثل تحديا يقوض حقوق المرأة في المساواة والكرامة الإنسانية، وبسبب هذه الممارسات المجحفة، اتجهت المراة إلى الكفاح و النضال ما اجل الحد من التمييز.. والعنف.. وعدم المساواة.
مسيرة النضال والحراك الثوري للمرأة
مع كل ما تعرضت له (المرأة) من معاناة سواء على نطاق الأسرة أو على نطاق المجتمع؛ فإنها استطاعت ان تبلور مواقفها في الحراك الثوري في كل دول العالم لتصحيح هذه المسارات التي استهدفتها كإنسانة حالها حالة الرجل كونها تمثل نصف المجتمع ولابد من مساواتها وإنصافها في التشريعات والقوانين، ومن اجل تحقيق هذا الهدف ناضلت نضالا مستميتا على كل أصعدة الحياة الاجتماعية.. والسياسية.. والاقتصادية، ولهذا استطاعت ان توحد صفوفها لتشكل قوة نضالية لفرض وجودها وواقعها على مؤسسات الدولة الرسمية في كل دول العالم من البرلمان.. ومجلس الوزراء.. ورئاسة الدولة.. والسلطة القضائية، فعبر التظاهرات والاحتجاجات استطعن إيصال أصواتهن إلى كل محافل الدولية لحين الإقرار بحقوقها وإنصافها في التشريعات والقوانين الدولية .
فمسيرة نضال المرأة وان انطلقت في الغرب ولكن ثمارها وصلت إلى الشرق لتقدم (المرأة الشرقية) نموذجا يوازي نشاط (المرأة الغربية) في مطالبها في الحرية.. والمساواة.. ورفض العنف والتميز بكل أشكاله، تظاهرات النسوة واحتجاجاتهن على ظروف العمل العام 1856 انطلقت في شوارع مدينة (نيويورك الأمريكية)؛ حتى دفع المسؤولين هناك إلى طرح مشكلة المرأة على مستوى الدولة، وفي العام 1908خرجت النساء بما يقارب خمسة عشر الف امرأة مطالبات بتحسين ظروف عملهن، وفي العام 1909 ونتيجة ضغط من قبل النساء وبمعاضدة منظمات المجتمع المدني في (الولايات المتحدة الأمريكية) خصصوا يوم 28 شباط يوما محليا للاحتفال بحقوق المرأة، واستمر هذا النشاط قائما لغاية العام 1913 ، وخلال هذه الفترة عقد في العام 1910 مؤتمر( المرأة العالمي الثاني) في مدينة (كوبنهاكن – دنمارك)؛ وفي هذا المؤتمر الذي حضرته أكثر من (مائة) امرأة ومن سبع عشرة دولة؛ طرح فيه فكرة تحديد يوم عالمي للمرأة للضغط على دول العالم لتلبية مطالبهن؛ وعنه نتج التأكيد على ضرورة تحديد يوم عالمي للمرأة في العالم اجمع، ولكن في 25 من آذار العام 1911 وقع حريق هائل في مدينة (نيويورك الأمريكية) أدى إلى وفاة مائة وأربعين عاملة مما أصبحت هذه الواقعة مدار اهتمام مؤسسات الدولة لتشريع وتنظيم العمل في (أمريكا)، وفي العام 1914 وأثناء الحرب العالمية الأولى قامت النساء (الاتحاد السوفيتي) بالاحتفال بيوم المرأة العالمي في الأسبوع الأخير من شهر شباط؛ ردا على موت أكثر من مليوني جندي روسي خلال الحرب العالمية الأولى؛ وبعد نقاشات من قبل لجان المرأة حولوا اليوم المخصص للمرأة إلى تاريخ (8 آذار )، ومنذ ذاك الوقت استمر الاحتفال بيوم المرأة العالمي، وفي العام 1945 بدأت الدول الأوربية الاحتفال بهذا اليوم رسميا، وفي العام 1975 احتفلت الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمي.
وبعد هذه المسيرة من النضال والكفاح تكللت مساعي النساء بالنجاح في وضع مطالبهن في المساواة والعدل موضع التشريع في قوانين تنصف حقوقهن الاجتماعية.. والسياسية.. والاقتصادية؛ وقد حذت نساء الشرق حذو نساء الغرب وقيامهن بحركات حقيقية كتلك التي حدثت في الغرب لدعم حقوق المرأة تضمن لهن حقوقهن وسبل العيش بالكرامة.. والاحترام.. والمساواة.. والعدالة الاجتماعية .
المرأة الشرقية في مواجهة الأفكار الراديكالية والقيم الرجعية
لقد تبنت (المرأة الشرقية) قضايا مصيرية ومهمة تعالج الآثار الاجتماعية لتوظيف الدين لصالح المجتمع الذكوري المتحكم بواقع المرأة الشرقية؛ لتقوم النسوة بتوحيد صفوفهن لمواجهة كل التحديدات التي فرضت عليهن قهرا وتميزا عبر إيديولوجيا دينية راديكالية متطرفة والقيم الرجعية، لتتم معالجة آثارها الاجتماعية السلبية على حقوقهن؛ ليكون لهن حضور ميداني في جميع القضايا التي تخصهن تحديدا والمجتمع بصورة عامة؛ ولتتم تعبئة النسوة بقيم ثورية لتبني تطلعاتهن التحررية متحديات التقاليد البالية والسائدة في المجتمع الشرقي الذكوري؛ رغم ما فرض عليهن من إقصاء سياسي.. واجتماعي.. واقتصادي متعمد لتطلعاتهن؛ الأمر الذي أمكنهن بعد ان خضن غمار الكفاح والنضال للحصول على مكاسب وطنية وحقوقية شكلت نقطة تحول في تاريخ نضال المرأة الشرقية في التاريخ الحديث والمعاصر، واستطعن تغيير وجه واقعهن الذي وقع تحت وطأة التهميش.. والتميز.. والقمع.. والإقصاء؛ ليتم تكريس حقوقهن وفرض أحقيتها بالإنصاف.. والعدل.. والمساواة.. بما هو عليه واقع الحال اليوم في اغلب بلدان الشرق، ليشهد واقعهن تغييرا وتحولا ملحوظا في تبني مواقف تنصف النسوة في المجتمعات الشرقية وعلى كل المستويات، ومع كل هذه التطورات ما زلن نسوة الشرق يواصلن نضالهن السلمي بالضغط المستمر والمؤثر على المنظمات الحقوقية والإنسانية ومنظمات المجتمع المدني ليدفعوا بالسياسيين لطرح مطالبهن على جدول الاعمال في كل المؤتمرات والندوات التي تنعقد محليا ودوليا لتتم مواصلة الضغط على الجهات المختصة لتلبيتها وتنفيذها على ارض الواقع؛ ولتحقق النساء من خلال نضالهن ارثا تاريخيا في النضال.. والكفاح.. والتحدي.. ناهضت العقلية الرجعية في المجتمعات الذكورية لتخرج بإيديولوجية تقدمية لتحرير المجتمعات الشرقية ما ساد فيها من قيم الرجعية.. والتخلف.. وانتهاك حقوق الإنسان.. والتمييز الجنسي؛ لاستحداث مسارات نهضوية تأخذ بيد المرأة لتخليصها من الاستعباد والعبودية ولتبث فيها روح النضال للسير على درب الحرية والنضال وللتعبير عن طاقاتهن الإبداعية لازدهار المجتمع وتخليصه من عقدة التخلف، بعد ان استنبطت من تجارب نضال المرأة الغربية العاملة – التي ذكرناها سابقا – دروس كفاح وصراع ونضال مستمد من أنشطة خلاقة ثقافيا.. واجتماعيا.. وعلميا؛ خاضته النساء عبر تعبئة تطلعاتهن بطاقات إبداعية بفكرهن وإرادتهن وتصميمهن على تغيير واقعهن، ولتترك بصماتها في نهضة المجتمعات ورقيها لتوفير الحياة الكريمة لشعوبها لاستعادة مكانتها بين شعوب العالم المتطلعة للحرية.. والاستقلال.. والنهضة.. والتطور العلمي.. والثقافي.. والتكنولوجي.. والصناعي.. والاقتصادي؛ بما يخدم مسارات النهضة وتطور المجتمعات الشرقية بكل مؤسساتها ليتم تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والقضاء على التمييز ضد المرأة وحماية حقوقها .
لذلك سعت المرأة الشرقية من خلال منظماتهن غير الحكومية واتحادات ونقابات النساء الى مطالبة الحكومات ىالبرلمانات والمؤسسات الدستورية في الدول الشرقية لإحداث إصلاحات قانونية وسياسية تخص حقوقهن في عدم التمييز.. والمساواة.. والحرية.. وتحقيق العدالة الاجتماعية للجميع، وضرورة إجراء إصلاحات دستورية وتعديل بعض الفقرات التي تخص المرأة في قوانين الأحوال المدنية في اغلب بلدان المنطقة .









