إن القول بأن رئيس الوزراء يجب ألا يكون سياسياً يتعارض مع طبيعة العمل التنفيذي نفسها. فتنفيذ البرنامج الحكومي، وإدارة الصراع بين المصالح، وتحويل ما يُطرح في البرلمان إلى قرارات نافذة على الأرض، كلها وظائف سياسية بامتياز. فهل يمكن أن نطلب من قائد أوركسترا أن يعزف بلا موسيقى؟ أو من شاعر أن يكتب بلا لغة؟
النظم البرلمانية، كما صُممت منذ نشأتها، بُنيت على قاعدة واضحة: السياسة تقود… والإدارة تنفذ. وخلطهما لا ينتج إلا فراغاً يتمدّد في مساحات خارج الدستور، تملؤها قوى لا تخضع للمساءلة ولا تظهر في واجهة القرار.
إن احترام بديهيات هذا النظام لا يعني تقديسه، بل تشغيله كما هو. فالطعن في منطق الأغلبية، وإضعاف رئيس الوزراء، وتحييد الفائز الأول، ليست إصلاحاً سياسياً، بل انحراف مؤسسي يضيف إلى رصيد “البدع العراقية” التي تظهر بين حين وآخر، خارج كل ما يعرفه علم السياسة.
ولذلك، فإن أية محاولة لإنتاج رئيس وزراء منزوع الصلاحيات، أو مُجرّد من الانخراط السياسي، أو ممنوع من قيادة حزبه، ليست إلا حملة لإدامة الازدواجية، وتمديد الأزمة، وتعطيل منطق التداول الديمقراطي. فالديمقراطية لا تعمل بموظفين كبار، بل بقادة يمتلكون رؤية وإرادة وقدرة على حشد الأغلبية. هذا هو الأصل، وما عداه اجتهاد سياسي لا يقوم على أساس علمي.







