١- (الحلم والمسافة) هو العنوان الذي اختاره المؤلف عبد الزهرة خضير ليكون ثريّا لروايته الأولى، فهل أدّت هذه العتبة ما يجب أن تؤديه من وظيفة في الإضافة والكشف عن المحتوى؟ فالرواية حلم ترويه راوية (امرأة)، واختيار الراوية امرأةً كان موفقًا لارتباطه بتراثنا وأشهر راوية فيه (شهرزاد) التي روّضت ذكورية (شهريار)، أما المسافة فهي التي تجسدها الرواية بما تحتويه من ظلم وتخلف يجسده هذا الصراع في قاع المجتمع بين الحق والباطل، الذي تجسده شخصية علي بن الحطاب، ذلك المثقف النابه الذكي الذي يناضل ضد التخلف. إن اختيار (امرأة) راويةً مبرر فنيًا وواقعيًا نظرًا لثقافتها…، فالرواية حلم، مما يجعلنا نتقبل كل أحداثها؛ لأنها حلم، ولكن بينه وبين الواقع مسافة، فالحلم هو ما تريده الإنسانية، ولكنه لا يتحقق لما بينه وبين الواقع من أكاذيب وخزعبلات باسم العادات والتقاليد والفكر المتخلف.
٢- اعتماد الميتاسرد على لسان الراوية لم يكن مسألة شكلية استجابةً للحداثة، وإنما جاء لشد الشكل بالمضمون، فالراوية شخصية تنويرية، قاست ما قاست من ظلم بسبب العادات والتقاليد المتخلفة التي يُلبسها مروجوها ثوب الدين باجتهادهم، ولذلك كان المؤلف موفقًا حين كشف للقارئ نضال بطل الرواية ضد الخزعبلات التي تقف حجر عثرة أمام التقدم، فالراوية امرأة، والمروي له هو المجتمع، مرموزًا له بهؤلاء الفتيان والفتيات، الذين هم رمز التغيير الاجتماعي المنتظر.
٣- “وأخيرًا أكملت روايتي”، بهذه الكلمات ابتدأ المؤلف روايته، وهي بداية موفقة؛ لأنها تثير ذهن القارئ لمعرفة تلك الرواية، ومتابعة أحداثها وشخصياتها التي وفق المؤلف في رسمها، لمراعاة مستواها الثقافي والاجتماعي والنفسي. فالزوجة (رغد) كانت مثالًا لزوجة تحب زوجها، ولذلك فهي تغض النظر عن بعض زلاته، وتمتص ما يعانيه من ألم وحزن، بإظهار حبها له وحرصها على إسعاده، أما البطل ابن الحطاب، فقد بقي مخلصًا لأفكاره وقناعاته، رغم قسوة ما مر به، فقد كان تنويريًا سواء في قريته أو في بغداد أو في أمريكا التي هاجر إليها، ونشط فيها، فاضحًا الظلاميين، ولذلك أُحرق في حادث نجا منه مشوهًا تشويهًا شديدًا، ولكنه قرر العودة إلى وطنه، وظل وفيًا لمبادئه.
٤- الثيمة العامة للرواية تجسد الصراع بين الحق والباطل، الحق ممثلًا بابن الحطاب، مناضلًا ضد عادات وتقاليد تُنسب إلى الدين أو إلى إرث الماضي الذي تجاوزه الزمن، ولذلك تتبع الظلاميون ابن الحطاب حتى وهو في مهجره، فأحرقوه؛ لأنه كان ينشر المقالات التي تدين الظواهر المختلفة، وكان لها صدىً كبير وانتشار، كما ألّف كتابًا بعنوان «الحرام والعيب»، تناول ما أُلصق بهما من مفاهيم عطلت الحياة، والقطب المناقض لابن الحطاب هو محمود البستاني، الذي كان يغري البسطاء من الناس بإحراق بيت ابن الحطاب بعد عودته، الى قريته بوصفه رمزًا للمثقف والثقافة، وقد نفذ البستاني ما خطط له، وهذه النهاية تمثل احتجاجًا على سيادة الباطل الذي يجب أن يناضل كل مثقف ضده، ولذلك ختمت الرواية بإشارة بليغة إلى دور الثقافة والمثقفين، حينما صورت رجلًا يلقي عبر نافذة بيته عددًا كبيرًا من الكتب، وهو يردد: «كل هذه الكتب، ونرى رؤوسًا تُنحر بكل وحشية»، وهي إشارة لكل مثقف لا يصب محتوى ثقافته في محاربة مظاهر التخلف، ولا يكون عضويًا في مجتمعه، وفاعلًا في أحداثه، كما يرى گرامشي.
يقول إمبرتو إيكو: «هناك روايات تتنفس مثل الغزلان، وأخرى مثل حوت أوفيل»، نجد بعضًا مما قصده إيكو في لغة الرواية، لنقرأ ما يلي، في مشهد سردي يواجه فيه ابن الحطاب عيني حبيبته (عهود) مصادفةً: «أحسَّ حدائق تورق أشجارها في قلبه، وشعر بنهر منساب في روحه أمام عازفة تروي حكاية غير مقطوعة لم يسمعها من قبل»، أليست هذه الرقة في اللفظ والصورة هي تنفس الغزلان، المعبر بفن عن مشاعر ابن الحطاب؟
ختامًا، أرجو أن يتجاوز المؤلف الأخطاء الإملائية، خصوصًا في كتابة الهمزة، والأخطاء النحوية، وأن لا يكلف الشخصية ما لا ينسجم مع طبيعتها، وهي حالات نادرة، كالذي ورد في الصفحة (١٧١): «في الطريق إلى القرية حرّك سمير قرص البحث عن المحطات في مذياع سيارته، فاستقر على موجة تبث معزوفة هادئة يرافقها عزف بطيء لبيانو»، فسمير شخصية ريفية التكوين، بسيطة الثقافة، وعمله سائق سيارة أجرة، ومواصفاته هذه لا تنسجم مع من يطرب لعزف آلة البيانو.









