صباح بدر الدريعي
عن «دار الورشة الثقافية» في بغداد، صدر حديثاً للشاعر والناقد العراقي ريسان الخزعلي كتاب نُقدي جديد بعنوان: «أدونيس.. محاولة ثانية في الإنصات والمتابعة». يُشكل هذا الإصدار إضافة لافتة للمكتبة النقدية العربية، حيث يتناول واحدة من أكثر الشخصيات الإشكالية والمؤثرة في المشهد الشعري والفكري الحديث، متتبعاً مسارات الظاهرة “الأدونيسية” بعينٍ نقدية فاحصة تجمع بين جماليات القراءة وعمق التحليل.
قبل الغوص في تفاصيل الكتاب، لا بد من الإشارة إلى أن أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) يمثل ظاهرة استثنائية في الثقافة العربية المعاصرة؛ فهو ليس مجرد شاعر كتب القصيدة الحداثية، بل هو مشروع فكري وجمالي متكامل.
أدونيس شاعراً: يُعد من أبرز مجددي الشعر حيث أخرج القصيدة من أطرها التقريرية والتنظيرية إلى آفاق الرؤيا، والاستعارة المركبة، واللغة الصوفية، والمغامرة البنائية المفتوحة.
أدونيس مفكراً: تجسد دوره الإشكالي في خلخلة السائد، ومراجعة المنظومة الفكرية والدينية والتراثية عبر سفره الخالد «الثابت والمتحول»، فضلاً عن دوره التأسيسي في مجلتي «شعر» و«مواقف» اللتين غيّرتا وجه الثقافة العربية الحديثة.
يقدم الناقد ريسان الخزعلي في كتابه الجديد قراءة نقدية واعية، لا تكتفي بالاحتفاء، بل تذهب إلى الإنصات العميق ومساءلة التحولات.
يأتي كتاب «أدونيس.. محاولة ثانية في الإنصات والمتابعة» لريسان الخزعلي بوصفه امتداداً لمشروع نقدي لا يكتفي بقراءة نصوص الشاعر، بل يسعى إلى الإصغاء العميق إلى أحد أكثر المشاريع الشعرية والفكرية إثارةً للجدل في الثقافة العربية المعاصرة. فالكتاب لا يتعامل مع أدونيس باعتباره اسماً شعرياً كبيراً فحسب، وإنما بوصفه ظاهرة ثقافية أسهمت في إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والفكر، وبين التراث والحداثة، وبين اللغة ورؤيتها للعالم.
يضم الكتاب سبعة عشر فصلاً تتوزع بين القراءة النقدية والمتابعة الثقافية، متخذةً من تجربة أدونيس محوراً للكشف عن التحولات التي أحدثها في القصيدة العربية، وفي الخطاب الثقافي الحديث. فهو يتوقف عند حضوره في بغداد، وعلاقته ببيروت بوصفها فضاءً للإبداع والحرية، كما يناقش بياناته الثقافية التي بشّرت بوعي جديد للشعر، ويقترب من مشروعه الملحمي في «الكتاب» بوصفه أحد أكثر المشاريع الشعرية العربية طموحاً من حيث البناء والرؤية.
ولا يقتصر كتاب ريسان الخزعلي على تحليل النصوص، بل يفتح ملفات نقدية شائكة، مثل مقولة: «أدونيس لم يكتب قصيدة النثر»، وهي مقاربة تستدعي إعادة النظر في التصنيفات السائدة للشعر العربي الحديث، كما يناقش مكانة أدونيس مرجعاً شعرياً وتأثيره في الأجيال اللاحقة، ويتوقف عند مجلته «الآخر» بوصفها استمراراً لمشروعه الثقافي، فضلاً عن اهتمامه بالفنون التشكيلية ورسم أغلفة أعماله الإبداعية، بما يكشف عن وحدة الرؤية بين الصورة واللغة.
ويمتد أفق الكتاب إلى مقارنات ثقافية وشعرية واسعة، منها العلاقة بين مظفر النواب وصلاح جاهين، واستحضار السياب في مختارات أدونيس، والمقاربة بين «أدونيادا» والإلياذة، فضلاً عن التأمل في مفهوم الشعر خارج حدوده التقليدية، في قراءة تتجاوز الانطباع إلى مساءلة الأسس الجمالية والفكرية التي قام عليها المشروع الأدونيسي.
لقد شكّل أدونيس، منذ خمسينيات القرن الماضي، منعطفاً حاسماً في مسار الشعر العربي الحديث. فلم يكن شاعر حداثة بالمعنى الفني فقط، بل مفكراً أعاد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتراث والهوية والحرية والإبداع. وفي دواوينه ومؤلفاته النقدية، سعى إلى تحرير القصيدة من أنماطها الجامدة، وإلى بناء لغة شعرية تتجاوز الوصف المباشر نحو الرمز والأسطورة والرؤيا، الأمر الذي جعله واحداً من أكثر الشعراء العرب تأثيراً، وأكثرهم إثارة للنقاش والاختلاف.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا ينحاز إلى الاحتفاء المجرد، ولا إلى الرفض المسبق، بل يختار الإنصات بوصفه منهجاً نقدياً؛ فالإنصات هنا ليس استماعاً سلبياً، بل قراءة واعية تحاور النص، وتختبر أفكاره، وتعيد مساءلة منجزه في ضوء التحولات الثقافية الراهنة. ومن هذا المنطلق، يقدم الكتاب نموذجاً للنقد الذي يجمع بين المعرفة الأدبية والوعي الفكري، ويضع تجربة أدونيس في سياقها التاريخي والثقافي بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
إن «أدونيس.. محاولة ثانية في الإنصات والمتابعة» ليس مجرد كتاب عن شاعر كبير، بل هو دعوة إلى إعادة قراءة أحد أهم المشاريع الشعرية العربية الحديثة، والكشف عن طبقاتها الجمالية والفكرية، بما يفتح باباً جديداً للحوار مع تجربة ما زالت، رغم مرور العقود، قادرة على إثارة الأسئلة وتحريك المياه الراكدة في الثقافة العربية…









