ثقافة شعبية

مرافعات السينما والأدب

عدنان الفضلي

لا جدال حتماً في العلاقة الراسخة بين الأدب والسينما، فجميع المنظّرين والمشتغلين في السينما يشخصون هذه العلاقة المتينة، ويضعونها بين الأقرب سياقياً، أسوة بالمسرح والدراما.

لو ذهبنا في رحلة تقصّ عن الروايات والقصص الأدبية التي تحوّلت الى أفلام سينمائية، فيلزمنا حينها قائمة طويلة تستوعب العدد الكبير من تلك الأفلام، فأغلب الدول التي قدمت نفسها كمتطوّرة في صناعة السينما، وثّقت لأحداث وسنوات مختلفة معتمدة على النصوص الأدبية، ولعل السينما الأمريكية تقف في مقدمة من أنتجت الأفلام المأخوذة من قصص أدبية لم تكتب للسينما.

في كتابه الجديد (السينما والأدب – فضاءات العلاقة والتأثير والتلقي) يرصد لنا الناقد السينمائي أحمد ثامر جهاد كثيراً من الأفلام المهمّة، ويستقصي ما كتب عنها نقدياً، حي يمنحنا في هذا الكتاب المعلومة الدقيقة، والبحث النقدي الرصين عبر كتابات لنقاد مهمين قدموا دفوعاتهم النقدية عن الروايات والقصص والأفلام التي تناولوها.

في مقدمة الكتاب التي جاءت بعنوان (السينما والأدب – قصة غرام وخصام أبدي) يأخذنا الناقد أحمد ثامر جهاد الى حيث مساحات معينة كانت وراء تقديم منجزه الإبداعي هذا، ويقودنا الى تحليلات وقراءات كانت هي التي تربط العلاقة المتباينة بين الأدب والسينما، ويدلنا على التوافقات والتقاطعات التي تواجدت عند النقاد والمتلقين، وكذلك يدلنا على جماليات العلاقة بين السينما والأدب حيث يقول “تقصّي العلاقة بين السينما والأدب يعود بنا بالضرورة الى بدايات الفن السينمائي قبل أكثر من قرن، الى عقود خلت، شهدنا خلالها مئات العلاجات السينمائية لنصوص أدبية، متفاوتة الجودة والتأثير، فأعادت تلك الأفلام مجتمعة، صياغة العلاقة المتبادلة بين الأدب والسينما بصيغ ومسارات مختلفة، بين نزوع إخراجي للاقتراب من أدبية النص الروائي أو القصصي، أو سعي ملحوظ للإفتراق عنه عبر الإنحياز الى لغة سينمائية تعي ميزاتها وخصوصياتها”.

المقدمة التي كتبها المؤلف لم تهمل موضوعات مهمة مرتبطة بين السينما والأدب، ولن يكون منصفاً ما لم يمنح المتلقي المحاسن التي تميّز هذه العلاقة وكذلك المساوىء، وعليه فانه يذهب تالى أكثر من رأي بهذا الشأن حيث أنه وفي جهده المعرفي هذا دلّنا على تلك المحاسن والمساوىء، ومما جاء بهذا الخصوص قوله “عادة ما يقال في الأدبيات السينمائية أن السينما تكون بارعة فيما تعجز عنه الرواية والعكس صحيح، مع أن هذه الفرضية الكلاسيكية ما عادت تصمد أمام بعض المحاولات الإخراجية المجددة في سينما اليوم، فقد باتت هناك بعض الحلول ونقاط الالتقاء التي يمكن أن تضمن النجاح لمعالجة النص”.

الكتاب ضم عدداً من المقالات والدراسات والبحوث التي كتبها نخبة من النقاد تناولوا فيها معالجات نقدية وقراءات لأفلام مبنية على روايات وكذلك دراسات أسلوبية خاصة بالمعالجة المرتبطة بين الأدب والسينما، حيث كان هناك دراسة مهمّة للناقد الدكتور ياسر البراك بعنوان (تفكيك شكسبير – معالجات السينما الهندية لمسرحيات وليم شكسبير) يتحدث فيها عن توظيف النص المسرحي في السينما الهندية تحديداً، حيث يأخذ أعمال الكاتب المسرحي البريطاني وليم شكسبير كنموذجاً لذلك، ويستعرض لنا عدداً من الأفلام الهندية التي اعتمدت على مسرحيات شكسبير ومنها أفلام للمخرج الهندي الشهير (فيشال بهاردواج) وفي هذا البحث يقول البراك ما نصّه “يتضح خلال تحليلنا للأفلام أن المخرج فيشال بهاردواج يعتمد آلية خاصة في تفكيك وإعادة تجميع النصوص الشكسبيرية وتبرز تلك الآلية بدءاً من الدقة في إختيار النص المناسب للموضوع الذي يريد طرحه”.

وللناقد الدكتور جعفر عبد الحميد كان هناك قراءة جاءت بعنوان (الاقتباس السينمائي للنص الروائي – رؤية في الأدوات والاستراتيجيات السردية) يتحدث فيها الناقد عن الجدل الدائر حول الفرق بين الوسيلتين السرديتين، الرواية والفيلم على التوالي.

بينما تواجد بحث للناقدة الدكتورة كوثر محمد علي جبارة بعنوان (السرد واللغة بين النص المقروء والنص المرئي السينمائي – المفهوم والتحولات) وفيه تتحدث عن الفصل بين السرد واللغة بين النص المقروء والنص السينمائي المرئي.

أما الناقد علاء المفرجي فقد تواجد عبر مقال بعنوان (طبل الصفيح – الفيلم في مصاف الرواية) وفيه يترافع المفرجي عن مخرج فيلم “طبل الصفيح” (فولكر شلوندروف) ليؤكد أن هذا المخرج اشتغل بحذر مع النص المليء بالخيال حيث يقول المفرجي “لم يحاول شلوندروف في فيلمه فرض رؤيته الخاصة على النص الأدبي بل تعامل معه بحذر شديد للحفاظ على المضمون الخيالي للرواية”.

وفي الكتاب يحضر الناقد علي حمود الحسن بمقال بعنوان (الحب في زمن الكوليرا – إشكالية الفصل بين المحكي والمروي) وهو مقال مخصص عن الرواية الشهيرة (الحب في زمن الكوليرا) والتي تحولت فيما بعد الى فيلم سينمائي شهير، حيث يتحفنا الناقد بتفصيلات مهمة عن الإشكالية بين ما روي وما شوهد مؤكد على أن “الرواية تنتج متخيلاً يؤوله القارىء، وهذا يعني أن الشخصيات والأماكن والأحداث تقرأ بعدد قرائها، على العكس من الفيلم، الذي ينتج متخيلاً واحداً في ذهن المشاهد وإن تعددت مستويالت التأويل”.

الكتاب الذي جاء بأكثر من (250) صفحة من القطع المجلاتي، والذي صدر عن دار الشؤون الثقافية – وزارة الثقافة والسياحة والآثار ضم كثيراً من المقالات الأخرى المهمة، كما ضم صوراً لعدد من الأفلام المأخوذة من قصص وروايات عالمية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان