ثقافة شعبية

الوان السرد القصصي في … تاتو

دراسة نقدية

يوسف عبود جويعد

المجموعة القصصية ” تاتو” للقاصة تماضر كريم، تمنحنا فرصة طيبة، لنراجع فيها حياتنا المعاصرة، بأسلوب فني يعتمد على وعي وامكانية القاصة، بتشكيل وتكوين المبنى السردي للنصوص القصصية، وفق استخدام عناصر وأدوات السرد، والذي يجعل النسق القصصي كيان واحد متماسك ومتصل، معتمدة على لغة شفيفة وهادئة وقادرة على توصيل ما تريده القاصة الى المتلقي، بكل اتقان،ـ ونجد القاصة تنتقل بنا من لون الى لون آخر مختلف من السرد ، وهي تقدم لنا في أغلب النصوص السردية القصصية، الصوت الانثوي لفتاة تعيش دورة الحياة وهمومها ومعاناتها وافراحها وهواجسها وتداعياتها،،  بأحداث تضع فيه العنوان عتبة نصية موازية لولوج القارئ، والغرق في التفاصيل الفنية من شيئيات ومرئيات ومرويات.

في القصة القصيرة ” أسوأ من الموت” وبأسلوب سردي، ينبثق من أعماق صوت أنثوي، حيث أن بطلة النص القصصي السردي، تقوم بمهمة أدارة دفة الأحداث، لنتفاجأ بأحداث غريبة ومشوقة، كون تلك الفتاة تطرق باب شقة غير شقتها، وبالرغم من أن أحد الشخوص بفتح لها باب الشقة ألا أنها تحس بأنها شقتها، وبعد أن تخلع شترتها، وترمي بحقيبتها، وتهم بخلع جواريبها، تنتبه الى الاثاث والسجادة و الحمراء، فتعرف بأنها دخلت بشكل خاطئ، فتعتذر، الا أن وجه الجار يمنحها احساس بالطمأنينة وعدم الخوف، وبعد تفاصيل مهمة نكتشف أن زوجته ماتت، وأنه يعيش على ذكراها، وهو بأنتظار أن تعود اليه، وهي حالة أسوأ من الموت كما أشارت بنية العنونة:

” على السرير، فاجأني فوراً قميص النوم بحمرته الصارخة، وشفافيته الملحوظة، كان منشوراً بطريقة مرتبة على السرير، كأنه على وشك أن يلبس، على الطاولة علب كثيرة، وأقلام (حمرة) بألوان مختلفة، وسلسلة مفاتيح، وبضعة خواتم وأسورة في علبة مفتوحة مصنوعة من الخشب البني الغامق، بدت لي أشياء أعرفها.” (ص 8)

وفي القصة القصيرة ” ثلاث فتيات” حيث يتبادر الى ذهن القارئ، أن بنية العنونة تشير الى ثلاث فتيات نتابع حكايتهن، وبينما الفتيات الثلاث هن تمثال الفتاة البغدادية، وبطلة النص الطالبة في كلية الأسراء، والفتاة السورية، التي طلبت معونتها لأنها لاتملك مال، وتحدث مفاجأة غريبة في هذا النص القصصي، كون أن الطالبة ما أن اعطتها مبلغاً من المال، الا وسمعت بعدها صوت فرامل سيارة، وجمع من اللناس يتجمهرون امام الحادث:

” سرتُ إلى حيث تجمّع الناس، ثمة همهمات، وتنهدات، وعيون دامعة، وكلام كثير، وصياح من هنا وهناك، ونشيج امرأة كانت تكرّر بلا انقطاع: لا حول ولا قوة إلا بالله.” (ص 15 )

أما القصة القصيرة “قلب السياب” فنكون مع تلك العلاقة الانسانية والعاطفية، التي تجمع طالبة بزميلها، فنكتشف بأنه قادم من البصرة وانه يشبه السياب، وقد اعجبت به نوال بطلة النص القصصي، وحاولت مساعدته، بأعطائه كل الاوراق التي تسهل مهمته في الامتحان، ونتفاجأ بأنه يمتلك كل الاجوبة، ونوال لا تتذكر سوى قصيدة السياب، ولا شيء غيرها، وحاولت أن تنظر لورقة نجم ابن البصرة الا أنها لم تسطع، وكان نهاية تلك اىلقصة فيها ضربة مفاجأة مذهلة :

” حتى إنّي لم أنتبه إلا متاخرة لكلمات حماتي المتذمرة : ( نوال .. متى يعود نجم من الشغل… نريد نتغدا)” (ص 19 )

وفي صراع حامٍ ومحتدم، وأحداث تحبس الأنفاس نتابع في القصة القصيرة ” مجنون” فتاة تسير بمفردها في طريق خالٍ من الناس، وتتفاجأ بمجنون يطاردها، ويكيل لها شتائم بذيئة ومقرفة، ويظل يدور حولها وهي تحاول أن تتخلص منه، وكأن الارض خلت من الناس، أو ملاذ آمن، وتظل القصة تدور في فلك هذه الاحداث حتى نهايتها:

” تتقلّص المسافة بيننا، ويعلو صوته أكثر، وتزداد حركات يديه حدّة، كأنه يتشاجر مع أحدٍ ما في ذاكرته، لكن قدميه تأتيان به إليَّ في خطٍ متعرج، ومع اقترابه غشيت حواسي رائحة تسبّبت  لي في الغثيان .” (ص 55)

وكما مررنا بقصص قصيرة، كان الصوت فيها أنثوي، فأن القاصة تقدم لنا قصصاً بصوت ذكوري، وبشكل ينم عن معرفتها عن صفات وسمات وتصرفات الرجل، وبشكل ملفت للانتباه، ونموذج من تلك القصص هي القصة القصيرة ” حمودي” التي تقدم لنا فيها علاقة عاطفية بين حمودي وفتاة وصفت نفسها له بأنها شقراء بشعر غزير، ويحدث لقاء بينهما، ويتضح وبدون أي مفاجأة أنها شقراء حقاً  نتابع  فيها تفاصيل شيقة وممتعة.

وفي القصة القصيرة ” تاتو” نتابع أحداث شيقة، لفتاة سوداء، ولدت بعد ثلاث شقيقات شقراوات، واحداث تخص تفاصيل حياتها، ومعاناتها، ومحاولة تجميل صورتها، من خلال عمليات التجميل للشعر و”تاتو” للحاجب، لكنها ظلت تنعت بــ ( العبدة)

المجموعة القصصية ” تاتو” للقاصة تماضر كريم، كتبت بعناية وتأينٍ ونضج واضح، وهي قصص من واقع حياتنا المعاصرة، وطافت بنا بكل جوانب الحياة بكل اتقان، واجادة فن صناعة القصة القصيرة.

من اصدارات دار توليب للطباعة والنشر والتوزيع – ط2 – لعام 2026

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان