ثقافة شعبية

صراخ نورس أخرس

قراءة في (زمن الفئران) لنبيل جميل

عبد الكريم حسن مراد

مدخل:

(زمن الفئران) نص سردي اشتغل على السرد النفسي عبر تداعيات السارد (خالد) الذي قاد المتون، وهو يعاني من انفصام عن الوقع أو حالة “انقطاع الزمن” المزمن، بسبب ما تعرض له من ضغوطات، توزعت بين إرهاب السلطة وأدواتها، كذلك الشعور بالمهانة إزاء خيانة زوجته سناء، التي ابتدأتها حين سلمت جسدها للمسؤول الحزبي كي تنقذ (خالد) من براثن “الحزب الثورة”، وتتداخل هذه الحالة مع ما سطرته مذكرات خالد ومخطوط روايته، وما جرى لـ (حامد) وهناء، لكن هناك فرقاً زمنياً بين الحياتين، الأولى في البصرة قبل الاحتلال كأنها تبدو لتحقيق مصلحة وتحت الإكراه، لا تقرّ بها سناء، أما في الثانية فتجري في بغداد مرافقة للاحتلال..

نظرة في الغلاف:

تشكل الغلاف من رسمة تتوسط الإعلان البصري مع ذكر اسم الكاتب (نبيل جميل) في الأعلى، وتحته رسم العنوان (زمن الفئران) بحجم كبير باللون الأحمر، وتحته عبارة التعريف بهوية الكتاب (رواية).

كانت الخلفية باللون الأخضر الفاتح وقد شاغله ضباب، أو أنه تشكل من نثار أخضر، وتصدرته رسمة تداخلت ألوانها، فالوجه يتميز باللون الوردي وهو يوحي بريعان الشباب، لكن تقاطيع الوجه غير مستقرة، ابتداءً منن العينين، فإحداهما تنزوي بقنوط مشوب بالخوف وتنظر بشكل جانبي، والأخرى ظهرت كاملة لكنها غالطت اختها ورسمت بشكل مائل، وقد اتكأت قبضة اليد على الخد تعبيراً عن أزمة مستدامة، والكف رسمت متضخمة كأنها يد معاق، والفم بدا بصورة جانبية وقد انفرجت الشفتان، وكأن صاحب الصورة على وشك البوح.

ظهرت شخصية اللوحة بوضع جانبي وقد عقد ساقيه شاغلاً كرسياً بلون اخضر، وكأنه كرسي اعتراف، ارتدى الشخص في اللوحة زياً يشبه ما يرتديه البحارة بلون أزرق، وهو دلالة على حب الحياة والتطلع لمديات مرتجاة.

لكن برغم ملامح العنفوان لدى الشخصية إلا أننا نجده محاصراً في حيز شاحب، يحيط به اللون الأصفر الذي يدل على شح الحياة والاقتراب من القبح وقد انسحب هذا اللون إلى لون العاصفة أو أنه اختلط مع ألوان النار.

دلالة العنوان:

الفئران كائنات طفيلية تتغذى على فضلات الإنسان، وتعبث بالأرض إذ تحفر أنفاقاً مؤذية، وأحياناً تكون حاملة للأمراض لما تحتضن من فيروسات، وبعضها تقرض أطراف الأطفال وتلوث دماءهم، وهي تعيش في دهاليز مظلمة ولا يهمها العفن والروائح الكريهة.

وبعد الانتهاء من متون (زمن الفئران) يمكن للمتلقي أن يستشف إن هذا العنوان يحيلنا إلى كل قوى القبح التي تتمثل بكل تسلط غاشم على الجمال والإنسان وتتفنن في إخضاع، وهو لا يتوانى حتى مع الذين يناصرونها، وقد رمّز الكاتب بها إلى سلطة البعث التي تمثلت بجرذ واحد وهي الحالة التي رافقت خالد- سناء وتحولت مع الحالة المتوافقة مع حامد- هناء في زمن الاحتلال وانتشاء الفئران.

الحفر في المتون:

ثمة سؤال يدور في ذهني وأنا أتلقى دفقات من متون السرد في رواية (زمن الفئران)؛ هل كانت شخصية (خالد) تعيش حالة انقطاع عن الزمن وتهديم الذات، كي يرسمها الكاتب نبيل جميل من خلال مخطوطة رواية التي كان يتواصل في تدوينها بين آونة وأخرى وهو في عزلته، لتنعكس أغراض تلك الحالة على بطله الافتراضي (حامد) أم أن الكاتب تعمد أن يرسم ملامح للشخصيتين في آن واحد، ليخبرنا أن هناك أشخاصاً ما زالوا يعيشون بيننا ولهم مواصفات تلك الشخصيات، فخالد مثقف تعرض للسجن في فترة حكم البعث، ونلحظ أن شخصية حامد الافتراضية متشابهة معها في شيء حتى تفاصيل حياتهما الأسرية ونظرتهما لشريكتي حياتهما برغم أن خالد مغرق الذهن بشكوك الخيانة تجاه زوجته على عكس حامد فقد كانت زوجته تمارس العهر علنا مستغلة غيبوبته، كي تعيش وتواصل الحياة في زمن الحصار..

لقد اشتغل الكاتب نبيل جميل على زمنين مختلفين في سرد الأحداث؛ الزمن الأول الخاص بخالد فهو في أيام الحصار الذي عانينا منه ما عانينا، وفي مكانين مختلفين فمكان خالد في البصرة، أما حامد فقد سكن في بغداد وفي أحد أزقتها.

رسم الكاتب شخصيات أخرى لها دور في حياة الشخصيتين التي تتقارب أسماؤها من بعضها، مثل ياسين يقابله شاهين وسناء تقابلها هناء.

إن أي تقارب في الأسماء يدل على أن هناك حيوات حقيقة تقابلها افتراضية، وقد تكون الحقيقية متعارضة مع واقع الشخوص، لذا قابلها الكاتب بهذه الأسماء المتقاربة، ليعبر عن حياة أبطال روايته، وجعل لها نهاية باهتة بالنسبة لخالد، أما شخصية حامد؛ فقد بقيت بلا نهاية من قبل الكاتب نبيل جميل والكاتب الثاني خالد.

لقد أراد الكاتب أن ينقل لنا مرحلة من حياة شخوص عاشوا في محنة صعبة في عهد سلطة البعث، وأن هذه المعاناة تتناسخ في ظل لاحتلال، وأصبحت تتجلى في حالات مختلفة وأن كانت هناك معاناة في ظل جرذ واحد فقد تشظّت المعاناة على أنواع ومستويات متنوعة في ظل فئران متعددة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان