قاسم المشكور
لا شك أن ثقافتنا ومنظومة أفكارنا وتصوراتنا التي ندخرها في دواخلنا، يتم تشكيلها عبر التواصل مع كل من الثقافتين التراثية والمعاصرة.
في ظني أن أهم ما في هذه التوصيلات هو الحمولات الرمزية التي تؤلف ثقافتنا غالباً، على أن هذه الحمولات الرمزية ناتجة من تفاعلنا مع كل من قاطرتي التراث والمعاصرة كما قلت قبل قليل.
قاطرة التراث واقفة في مكانها منذ مئات السنين، لكنها ليست خالية من التأثير، أما قاطرة الثقافة المعاصرة فهي بحق قاطرة الحضارة، على أن من سماتها أنها تتحرك على الدوام إلى الأمام، لكنها في عرف المواطن الشرقي، وتحديداً المتدين، لا تنفصل عن محطاتها التراثية القديمة، فمركز انطلاقها الذاتي هو التراث وليس الحاضر.
إن مسارات قاطرة الثقافة المعاصرة هي مسارات متقاطعة ومؤقتة أيضاً، وقاطرة الثقافة هنا تشبه قاطرة البضائع التي لا تغادر محطاتها إلا وقد ألقت بعبق بضاعتها في تلك المحطات التي تتوقف فيها.
أنا أعلم وأدرك أني أطلت بعض الشيء في مقدمة مقالي، ولكن ماذا أفعل، وكل ما قلته في مقدمتي ينطبق تماماً على رواية الروائي صادق الجمل “سفينة نوح الفضائية” في جزئها الثاني، الصادرة عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع في طبعتها الأولى لعام 2026.
لقد جال بنا قطار الجمل على محطات مهمة من التراث، هذا فضلاً عن محطات الحضارة الحديثة ممثلة بمجموعة من العلماء، منهم أينشتاين وهوكنغ، بالإضافة إلى الكتب المقدسة مثل التوراة والقرآن، مع أني أعلن تحفظي الشديد على استشهاد الروائي الجمل بمقولات خارج سلطة هذه الكتب، مما ساهم في أدلجة الرواية، وهو ما لم أكن أتمناه. ففي الصفحة 15 يقول الروائي الجمل:
(إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم).
لقد سار بنا الروائي الجمل سيراً ناعماً ولذيذاً مع آيات الكتاب الكوني العظيم (القرآن)، وهو كتاب حافل بالعلامات السيميائية الدالة على سنن الارتقاء، مثلما يحوي أخباراً عن الانهيار الكوني، إضافة إلى قوانين التآلف في الطبيعة. بل لا أغالي إذا قلت إن الروائي الجمل زاد على ذلك بأن جعل في سرده الآسر نوعاً من التآلف بين الرواية وقارئها.
إن ما نتلقاه من أخبار الكون في الكتاب العظيم (القرآن) هو حقيقة تفرض نفسها على وجودنا النفسي، الذي لا يمكن فصله عن التفاعل مع هذه الأخبار.
نحن أسرى لهذه الأخبار التي تردنا عبر النصوص المقدسة، على أن هذه الأخبار قد امتصت من حياتنا تاريخاً من الرؤى والأفكار والتأويلات.
بودي أن أتحدث عن البيان في خطاب الجمل الروائي، فقد أثبت الروائي الجمل تماهيه التام مع المفردة المعبرة، بعد أن أدرك بفطرته السليمة أن الوعي الزائف هو نتاج القصور المعرفي، وهل ينهض بهذا القصور إلا اللغة التي تقلل المسافة بين الجهل والمعرفة؟
لقد وفرت لنا لغة الجمل البهية فرصة نادرة للتأمل، بعد أن أمطرنا بموضوعات لا يكتمل فهمها إلا بالتأمل، وهذا لعمري هو النجاح بعينه.
الروائي الجمل جعلنا نعيش في عالم سحري، بعد أن زودنا بمفاتيح، وأوصانا أن نستخدم هذه المفاتيح لفتح بوابات عرض الصور، ثم دعانا إلى تثبيت هذه الصور قبل أن نقوم بتحويلها إلى أفكار.
ومهمة القارئ الذي يقرأ هذه الرواية أن يحول الأفكار الخرساء إلى أفكار ناطقة عبر تفعيل ملكة التلقي.
وبصريح العبارة، أثبت الروائي الجمل أن اللغة ليست وسيلة للخطاب فقط، فهذا الفهم فيه قصور واضح، فاللغة لدى الجمل أبنية تتسلل إلى ذهن القارئ لتتحول فيما بعد إلى تراكيب وصور، ثم يضطلع القارئ الذكي بتحويل هذه الصور إلى أفكار فاعلة.










