ثقافة شعبية

قصة قصيرة

الاختيار…

فرح تركي

خيرتني أمي بينها وبين السفر. كنت قد قدمت على التطوع في دولة أوروبية، وإذا نجح الأمر وتمكنت من البقاء فسأبقى، هرباً من معايير العمل القاسية هنا؛ ساعات طويلة، وعدم وجود ضمان في حال مرضت أو أصبت، مع أمور أخرى كالازدحامات والطقس المتطرف بين حر شديد وبرد قارس وأمطار غزيرة. فما الفائدة من بقائي؟

كنت طائشاً فاخترت الغربة وتركت أمي. في اليومين السابقين لسفري لم أسمع منها أي كلمة، ولم تكن تنظر في وجهي إذا تصادفنا. كان الجحيم يطاردني خارج البيت وداخله، ولم أكن أعلم كيف ومتى امتلكت تلك الصلابة وذلك التصالح اللذين مكناها من البقاء.

كيف ترى في حياتنا المليئة بالنواقص والأزمات السلام والأمان؟

وسافرت. في الأيام الأولى كان عقلي مشدوهاً ومنبهراً بكل شيء. كنت أندهش إذا رأيت بناية حديثة كبيرة أو جنة من الورود. رأيت أصنافاً من الورد لم أرها في حياتي. كنت أحس بتوفيق كبير من الله لأنه سهل لي ذلك السفر ومنحني هذه الفرصة المهمة.

وتم الأمر، وبقيت سنة ثم أخرى. وفي ذلك الحين قررت أن أصالح والدتي. كنت وحيدها، وأبي متوفى.

لم أتمكن من التوصل إليها، فقد كان رقمها خارج الخدمة. وبعد محاولات عديدة للتواصل معها عبر الإنترنت ومواقعه، اكتشفت أنها اختفت.

لجأت إلى الأقارب، ولجأت إلى الأصدقاء. كان الجميع يتفاجأ من سؤالي عنها، ويخبرونني بأنها قالت إنكما ستسافران معاً، ولذلك عرضت بيتكم للبيع.

لم أعرف إلى أين أتوجه. في البداية ظننت أن الأمر مجرد مزحة، أو أن أقاربها اتفقوا معها على هذه الكذبة لتشعرني بالندم.

لكنني في النهاية تأكدت أن ذلك حقيقة، وأنها رحلت بعد بيع البيت. لكن إلى أين؟ هذا ما لم أعرفه لسنوات.

كانت في السابعة والأربعين من عمرها، دون زوج، ودوني بعد سفري، وأبواها متوفيان، أما الباقون فكانوا منشغلين بحياتهم. نعم، أعترف أنني كنت أتذمر من بساطة أحلامها؛ عمل بسيط، وزوجة محترمة، وأبناء تراهم قبل أن يتوفاها الموت. لم تكن تريد أكثر من ذلك، لكنه كان أملاً بسيطاً في نظري، لا يتناسب مع طموحي الذي لا أعرف من أين ورثته.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان