قراءة نقدية
بقلم: حمدي العطار
مقدمة
كثيرا ما تؤثر معرفتنا بالمبدع، أو متابعتنا لتجربته الإنسانية والثقافية، في طريقة قراءتنا للنص الأدبي، إذ تمنحنا مفاتيح إضافية لفهم عالمه الداخلي، من دون أن تلغي استقلالية النص أو خصوصيته الجمالية. ومن خلال متابعتي للشاعرة والناشطة المدنية ندى سلطان، تشكلت لدي رؤية مختلفة عند قراءة مجموعتها الشعرية “نصوص بيضاء”، وهي رؤية تنطلق من النص نفسه لكنها تستضيء بشخصية الشاعرة وتجربتها.
تضم المجموعة، الصادرة عن دار رؤى للطباعة والنشر سنة 2023، (125) صفحة، وتكشف عن شاعرة تمتلك حساسية عالية تجاه الذات والإنسان والوطن، وتبحث عن لغة قادرة على احتواء القلق والأسئلة والذاكرة.
*قصيدة النثر..البحث عن بديل للموسيقى
مع انتقال الشعر العربي من القصيدة العمودية إلى شعر التفعيلة، ثم إلى قصيدة النثر، تغيرت أدوات التعبير ووظائف القصيدة. فحين غاب الوزن والقافية، أصبح على شاعر قصيدة النثر أن يعوض هذا الغياب بكثافة الصورة، وعمق الفكرة، والمفارقة، والاقتصاد اللغوي، والقدرة على الإدهاش.
لقد انتقلت القصيدة الحديثة من فضاءات المديح والرثاء والفروسية إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح نجاحها مرهونا بقدرتها على تحويل اليومي والمألوف إلى تجربة شعرية نابضة، وهو ما تحاول ندى سلطان تحقيقه في معظم نصوص مجموعتها.
*الذاتية والمفارقة
تعتمد «نصوص بيضاء» بدرجة كبيرة على التجربة الذاتية غير أن هذه الذاتية لا تنغلق على نفسها، بل تتحول إلى فضاء إنساني أوسع. فالذاكرة والحنين والانتظار والحب والفقدان تشكل البنية العميقة للنصوص وتمنحها صدقًا عاطفيًا واضحا.
وتتجلى هذه السمة في قصائد مثل “كرنفال الصمت” و”نص ماكر”، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشارات شعرية مشحونة بالإيحاء بينما تؤدي المفارقة دورا أساسا في بناء الصورة الشعرية، فتتجاور الحميمية مع القلق والحضور مع الغياب واليقين مع الشك.
*الزمن… الثيمة الأكثر حضورا
يعد الزمن من أبرز الثيمات التي تتكرر في المجموعة. فهو ليس زمنا فيزيائيا فحسب بل زمن نفسي تتجسد فيه حالات الانتظار والغياب والاشتياق والخوف.
ولهذا تتكرر مفردات الساعة والدقيقة والفجر والصباح والليل في عدد كبير من القصائد، مثل “رسائل من مجهول” و”خيارات” و”صوت”، “الثالثة”، و”شهادة” و”فجر قلق ” و”حضور”، و”احتياج” و”معرفة قديمة”.
ويتحول الزمن عند الشاعرة إلى شخصية فاعلة تشارك الإنسان قلقه وتكشف هشاشته أمام التحولات.
*العنوان والإهداء… عتبتان دلاليتان
يحمل عنوان المجموعة “نصوص بيضاء” أكثر من دلالة فالبياض يحيل إلى النقاء والبراءة والبدايات المفتوحة كما يتيح للمتلقي أن يشارك في استكمال المعنى.
ويعزز الإهداء هذه الرؤية، إذ تقول الشاعرة:
«إلى أبي… وفاءً لظلك الذي ما زال ينتظر عودتي من المدرسة لأغرس على كتفه طفولتي.»
إنها صورة شعرية مدهشة تستبدل “الذكرى” بـ”الظل” وتجعل الأب حاضرا بوصفه ذاكرة حية لا تغادر الوجدان، بينما تتحول الطفولة إلى شيء يغرس فوق كتفه في استعارة تؤكد تعلق الشاعرة بالماضي وحنينها العميق إليه.
*ثراء المفردة الشعرية
تتميز ندى سلطان بقدرتها على اختيار المفردة غير المتوقعة فتتجنب التعبير المألوف لصالح تعبير أكثر إثارة.
فعندما تقول:
“وحده العمر يمر قاسيا”
فإنها تستبدل الوصف المتوقع «بطيئا» بكلمة «قاسيا»، لتجعل الزمن تجربة شعورية لا مجرد امتداد زمني.
وهذه القدرة على كسر التوقع تمنح قصائدها طاقة دلالية إضافية وتؤكد امتلاكها معجما لغويا خاصا.
*بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية
تميل الشاعرة في بعض القصائد إلى الإكثار من الأفعال، كما في قصيدة “مسافة” حيث تتوالى الأفعال بصورة متتابعة، وهو ما يقلل أحيانا من الإيقاع الداخلي للنص.
وأرى أن الجمل الاسمية والوصفية تمنح قصيدة النثر مساحة أوسع للتأمل وتزيد من كثافة الصورة الشعرية بينما يؤدي الإفراط في الأفعال إلى اقتراب النص من السرد أكثر من الشعر.
*الشعر بوصفه موقفًا
لا تنحصر تجربة ندى سلطان في الهم الذاتي بل تمتد إلى الهم الوطني والإنساني كما في قصيدتها المهداة إلى الشهيد صفاء السراي، حيث يتحول الشعر إلى موقف أخلاقي ضد القمع والموت ومصادرة الحرية.
وهنا تتأكد العلاقة الوثيقة بين الشعر والمعاناة فكلما اشتدت التجربة الإنسانية، ازدادت القصيدة قوة وتأثيرا.
*الخروج من الذات… قصيدة “مشرد”
في قصيدة “مشرد” تغادر الشاعرة عالمها الشخصي لتكتب عن الإنسان المهمش لكنها لا تفقد حساسيتها الشعرية.
فهي تمنح المشرد أحلاما قبل أن تمنحه مأوى وتجعل الألم كائنا حيا يطارده، بينما تكشف النهاية عن إدانة اجتماعية وسياسية واضحة، تؤكد أن الإنسان لا يفقد بيته فقط، بل قد يفقد انتماءه أيضا.
*حين تقترب القصيدة من القصة
تعد قصيدة “حمام النساء” من أجمل نصوص المجموعة لأنها تمزج بين الشعر والسرد وتقدم مشاهد نابضة بالحياة العراقية.
فالحوارات اليومية وتبدل الخطط وتفاصيل الأمهات والجدات ورائحة البرتقال وذكريات الحرب كلها تتحول إلى لوحات إنسانية مؤثرة.
إنها قصيدة تمتلك روح القصة القصيرة، حتى ليشعر القارئ بأنها قصة شعرية لم ينقصها سوى الحدث المركزي.
*أسئلة حول تحولات الشعر العراقي
وأثناء قراءة المجموعة تتجدد الأسئلة القديمة حول التحولات التي شهدها الشعر العراق من القصيدة العمودية إلى شعر التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر.
هل جاءت هذه التحولات نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية؟ أم أنها استجابة لتغير الذائقة الجمالية؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة لكنها تؤكد أن العراق ظل أحد أهم المختبرات العربية لتجديد الشعر وإعادة تعريفه.
*خاتمة
تكشف مجموعة “نصوص بيضاء” عن شاعرة تمتلك صوتا خاصا يجمع بين الحس الإنساني والهم الوطني، ويوازن بين البوح الذاتي والانشغال بقضايا المجتمع. وتنجح ندى سلطان في بناء قصيدة تستند إلى المفارقة وتستثمر الزمن بوصفه عنصرا بنائيا ودلاليا، مع عناية واضحة بالتفاصيل الصغيرة التي تتحول في نصوصها إلى إشارات شعرية كثيفة.
ورغم بعض الملاحظات المتعلقة بالإفراط في استخدام الجمل الفعلية واقتراب بعض النصوص من السرد فإن المجموعة تقدم تجربة شعرية جديرة بالقراءة، وتؤكد حضور شاعرة تمتلك خيالا خصبا، ولغة شفافة، ورؤية تنطلق من الإنسان قبل أي شيء آخر.
إن “نصوص بيضاء” ليست مجموعة شعرية فحسب بل محاولة جادة لكتابة الحياة بلغة الشعر، وتحويل الألم والحنين والذاكرة إلى صور تبقى عالقة في وجدان القارئ.









