الحقيقة – خاص
هو من رأى المدن تتغير، واللغات تتبدل، والأصدقاء يغيبون، والخرائط تُرسم من جديد، ثم عاد إلى منزله حاملًا كل ذلك في ذاكرته. لم يصنع التاريخ دائمًا، لكنه دفع ثمنه. ولم يكتب القرارات، لكنه عاش نتائجها. إنه الشاهد الذي لا يستطيع تغيير ما حدث، لكنه يحاول رغم ذلك أن يحتفظ بصوته وذاكرته وحقه في أن يكون. تأتي تجربة (مواطن) بوصفها بحثا بصريا في الإنسان الذي يجد نفسه في مواجهة التحولات الكبرى، وفي أثر الأحداث عليه، وفي هشاشته واغترابه وأسئلته التي لا تنتهي. استمر العمل على مشروع (مواطن) ثلاثة أعوام حتى الآن، وتشكّل من أكثر من ستين لوحة، إلى جانب عدد كبير من التخطيطات والاسكتشات المنفذة بالفحم والحبر، ويستعمل لغات بصرية متداخلة بين التعبير والتجريد وأحيانا اللغة الكاريكاتيرية، في محاولة لالتقاط الإنسان على مستويات متعددة. ولا يكتمل المعرض باللوحات وحدها. عند مدخل القاعة، يواجه الزائر جدارية مفاهيمية تفاعلية من قماش يعاد تشكيله كجرح مفتوح. على جانبي الشق الكبير فتحات يمرر الجمهور من خلالها خيوط القش، في محاولة جماعية لخياطة الجرح وترميمه، تخرج بخريطة جديدة لما بعد الوجع. يُدعى كل مشارك إلى كتابة عبارة على القماش تعبّر عما تعنيه له كلمة مواطن مع مرور الزوار، تتراكم الخيوط والكلمات، ويتغير العمل يوما بعد آخر، حتى يصبح أثرا جماعيا يوثق حقيقة داخلية لا تكتمل إلا بمشاركة الآخرين.
يذكر أن الفنانة سهى المحمدي فنانة تشكيلية عراقية، خريجة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد. بدأت عملها في مجال الإخراج الفني والتصميم في غزة – فلسطين، وتولت لفترة الإخراج الفني لمجلة (رؤيا الثقافية)، إلى جانب تصميم البوسترات والشعارات والمواد البصرية الخاصة بالقضية الفلسطينية. شاركت في عدد من المعارض الجماعية داخل العراق وفي دول عربية وأوروبية، وهي عضوة في عدد من الجمعيات والمؤسسات المعنية بالفنون التشكيلية والثقافة البصرية. أقامت أربعة معارض شخصية في عمّان بين عامي 2017 و2023: «أغنيات ومدن» — رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين «حياة موازية» — إطلالة اللويبدة «رأي للوقت» — جاليري جودار «خطوة، اثنتان، ثلاثة» — قاعة بابل، فندق الرويال بعد تجاربها الأولى، وجدت المِحمدي في المدرسة التعبيرية المساحة الأقرب إلى روحها الفنية، فطورت لغتها البصرية الخاصة من خلال التجريب المستمر، مؤمنة بأن الفن مساحة حرية لا يمكن اختزالها في تعريف واحد أو قالب ثابت. تأثرت في تجربتها بالأماكن والمدن التي عاشت فيها، فانعكست روح تلك الأمكنة في أعمالها. كما شكّل رفض الظلم دافعا أساسيا في تجربتها، فاشتغلت على الإنسان في حالات الألم والانكسار والاغتراب والتهجير، المفروض عليه. حضرت المرأة بقوة في مجموعة «المرأة والثنائيات»، بوصفها رمزًا للحياة والمقاومة الداخلية، بينما تناولت «الثنائيات» العلاقة بين المرأة والرجل من خلال معالجات تشكيلية متعددة. كما اشتغلت على السفر والاغتراب والتهجير، وعلى فكرة «الخطوة» بوصفها رمزًا للتحول والعبور والقرار؛ خطوة قد تدفع الإنسان إلى الأمام، أو تعيده إلى الوراء، أو تقوده نحو عالم مجهول. تناولت في أعمال أخرى الطبيعة وتغير نظرتنا إلى الأشياء مع مرور الوقت، إلى جانب مجموعات تخطيطية انشغلت بالهم العربي والإنساني بصورة أكثر شمولًا وتجريدًا. وإلى جانب الرسم، رافقت الكتابة تجربتها الفنية، فكتبت الخواطر والنصوص القصيرة التي تداخلت مع لوحاتها، وصولًا إلى إصدار كتاب (أثر صريح) الذي يجمع بين النص والصورة في تجربة بصرية وشعورية متكاملة.








