محمد علي محيي الدين
ناهدة الرماح، واسمها الحقيقي ناهدة إسماعيل القريشي، ممثلة عراقية رائدة، ولدت في محلة الحيدر خانة ببغداد عام 1938، ورحلت في 22 آذار 2017 بعد مسيرة طويلة جعلت منها واحدة من أبرز الوجوه النسائية في تاريخ المسرح والسينما العراقيين. لم تكن حياتها الفنية مجرد رحلة في عالم التمثيل، بل كانت سيرة امرأة امتزج فيها الفن بالموقف، والمسرح بالانحياز إلى الإنسان، حتى غدت تجربتها شاهدة على مرحلة مضطربة من تاريخ العراق الثقافي والسياسي.
نشأت الرماح في أسرة منفتحة على الشأن العام، وكان الحديث عن الحرية والدكتاتورية والاستعمار والسجون جزءاً من المناخ الذي تشكل فيه وعيها المبكر. وقد انعكس ذلك لاحقاً على اختياراتها الفنية ومواقفها، إذ لم تنظر إلى المسرح بوصفه وسيلة للترفيه وحده، وإنما رأته مساحة للتعبير عن الناس وهمومهم وتناقضات المجتمع. ولهذا ارتبط اسمها منذ وقت مبكر بالحركة المسرحية الحديثة في العراق، وبالأخص فرقة المسرح الفني الحديث التي انضمت إليها عام 1956، لتبدأ مرحلة ستصبح فيها واحدة من أبرز ممثلاتها.
كانت بدايتها السينمائية مع فيلم «من المسؤول؟» للمخرج عبد الجبار ولي، الذي شاركت فيه وهي في مقتبل العمر، ثم جاءت تجربتها المسرحية الأهم مع فرقة المسرح الفني الحديث، عندما أدت دور المرأة الخرساء في مسرحية «الرجل الذي تزوج امرأة خرساء» عام 1957، وهو عمل أخرجه سامي عبد الحميد وكان من البدايات المهمة في مسيرته الإخراجية. ومنذ ذلك الحين أخذ اسم ناهدة الرماح يترسخ بين أسماء الجيل الذي أسهم في بناء المسرح العراقي الحديث، إلى جانب إبراهيم جلال ويوسف العاني وسامي عبد الحميد وقاسم محمد وخليل شوقي وزينب ومجيد العزاوي وغيرهم.
ولم تكتفِ الرماح بالأدوار التقليدية، بل امتلكت استعداداً واضحاً لخوض التجارب المسرحية المركبة، فظهرت في أعمال ذات طبيعة تجريبية وفكرية، منها «حكاية الرجل الذي صار كلباً» لأوزوالدو دراغون بإخراج قاسم محمد، و«بغداد الأزل بين الجد والهزل»، و«الخرابة» ليوسف العاني، و«النخلة والجيران» المأخوذة عن رواية غائب طعمة فرمان، و«الشريعة»، و«نفوس»، فضلاً عن «القربان» التي ستصبح واحدة من أكثر المحطات قسوة في حياتها الفنية. وفي هذه الأعمال ظهرت قدرتها على الانتقال بين الشخصية الشعبية البسيطة والشخصية المركبة، وبين الكوميديا والدراما، مستفيدة من حضورها الطبيعي وقدرتها على التواصل المباشر مع الجمهور.
وكانت «النخلة والجيران» من الأعمال التي رسخت مكانتها في الذاكرة المسرحية العراقية، كما شاركت في «وأنا أمك يا شاكر»، و«الخال فانيا» لتشيخوف، و«مسألة شرف» وغيرها. وقد زاملت في تلك الرحلة كبار المسرحيين العراقيين، وتعلمت منهم أصول الأداء وسلامة النطق وفن الوقوف على الخشبة، وكانت حريصة على تطوير ثقافتها الفنية واللغوية بالقراءة والممارسة. ولم يكن صعودها سهلاً، إذ كانت البيئة الاجتماعية في بدايات دخولها الفن تنظر إلى العمل الفني، ولا سيما للمرأة، بشيء من التحفظ، لكنها استطاعت أن تحول هذا التحدي إلى قوة دفعتها إلى إثبات ذاتها.
أما السينما، فعلى الرغم من قلة أفلامها قياساً إلى أعمالها المسرحية، فقد تركت فيها أثراً واضحاً. فإلى جانب «من المسؤول؟»، شاركت في «الظامئون» المأخوذ عن رواية لعبد الرزاق المطلبي وإخراج محمد شكري جميل، ثم في «يوم آخر»، وقدمت في هذه التجارب شخصيات أكدت قدرتها على الانتقال من خشبة المسرح إلى الشاشة من دون أن تفقد خصوصيتها الأدائية.
غير أن حياة ناهدة الرماح شهدت منعطفاً مأساوياً عام 1976، حين فقدت بصرها وهي تؤدي دور «زنوبة» في مسرحية «القربان»، المأخوذة عن عمل لغائب طعمة فرمان، بإعداد ياسين النصير وإخراج فاروق فياض. أصيبت شبكية عينها أثناء العرض، وانتهى الأمر بفقدانها البصر بصورة كاملة. وكان يمكن لمثل هذه الفاجعة أن تنهي حياة أي فنان، لكنها بالنسبة إلى الرماح لم تكن نهاية الطريق. سافرت للعلاج وخضعت لعمليات عدة، ثم عادت إلى بغداد، واستقبلها جمهورها بحفاوة بقيت عالقة في ذاكرتها. وكان معنى ذلك الاستقبال بالنسبة إليها أكبر من مجرد احتفاء بفنانة؛ فقد كان دليلاً على أن علاقتها بالناس لم تكن علاقة عابرة، وأن ما قدمته للمسرح قد تحول إلى محبة متبادلة.
ومن المفارقات المؤلمة أن الرماح فقدت عينيها على خشبة المسرح، لكنها لم تفقد بصيرتها الفنية والإنسانية. وقد كتب ظافر جلود في صحيفة «الزوراء» العراقية، في مقاله المنشور في 12 نيسان 2025 بعنوان «ناهدة الرماح أيقونة أعطت عيونها للمسرح قبل رحيلها الأبدي»، عن هذه التجربة بوصفها واحدة من أكثر المحطات استثنائية في حياتها، مشيراً إلى أن فقدان البصر لم يطفئ طموحها ولا حضورها. وفي هذا المعنى تبدو عبارتها التي رددتها بعد عودتها إلى بغداد، بأن «حب الناس هو النور»، تلخيصاً بليغاً لفلسفتها في الحياة.
ولم تكن الرماح بعيدة عن التحولات السياسية التي شهدها العراق، فقد ارتبطت في وقت مبكر باليسار العراقي، وتعرضت بسبب مواقفها ومواقف أسرتها إلى الاعتقال والملاحقة. ووفق ما أوردته المصادر التي تناولت سيرتها، اعتُقلت بعد انقلاب 1963، وقضت فترة في معتقل النساء، وكانت تحاول خلال الاعتقال تخفيف قسوته بالتمثيل. وبعد ذلك عادت إلى العمل الفني، وعملت في مصلحة السينما والمسرح، ثم في الإذاعة والتلفزيون، حيث شاركت في إعداد برامج للأطفال، قبل أن تتعرض لمضايقات أدت إلى إحالتها على التقاعد.
ومع تصاعد الضغوط السياسية في أواخر السبعينيات، غادرت العراق عام 1979، لتبدأ سنوات طويلة من المنفى والتنقل بين لندن ولبنان وسوريا وبعض الدول الأوروبية. ولم يكن المنفى بالنسبة إليها مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاعاً من المسرح الذي منحته سنوات عمرها، ومن جمهور اعتادت أن تراه أمامها وهي تؤدي أدوارها. ومع ذلك لم تتخل عن الفن، وحاولت في بلدان إقامتها أن تحافظ على صلتها بالمسرح والثقافة، رغم صعوبة الظروف والعوز والوحدة التي رافقت سنوات الغربة.
وبعد عام 2003، عاد الحنين إلى بغداد بقوة، فعادت إليها عام 2009، وحاول الفنان سامي قفطان أن يعيدها إلى الخشبة من خلال مسرحية «صوت وصورة»، التي استعرضت محطات من مسيرتها الفنية. كما شاركت في مسلسل «الباشا» من إخراج فارس طعمة التميمي، مؤكدة أن سنوات الغياب وفقدان البصر لم تستطع أن تفصلها عن جمهورها. وكانت عودتها إلى المسرح أشبه باستعادة لجزء من حياتها التي سُلبت منها، حتى إنها رأت أن وجودها أمام الجمهور أعاد إليها إحساسها بأنها لم تغادر العراق قط.
لقد كانت ناهدة الرماح تنتمي إلى جيل آمن بأن المسرح يمكن أن يكون مرآة للمجتمع وصوتاً للفئات التي لا تجد من يتحدث باسمها. لذلك كانت شخصياتها الشعبية قريبة من الناس، ولم تكن علاقتها بالجمهور قائمة على النجومية وحدها، بل على شعور عميق بالمشاركة. كانت تعرف كيف تصنع من الشخصية المسرحية كائناً حياً يمكن للجمهور أن يتعاطف معه، ويضحك معه، ويحزن لحزنه. وهذا ما جعل حضورها يتجاوز حدود الأداء إلى نوع من العلاقة الحميمة مع المتفرجين.
ومع أن المسرح منحها المجد، فإنه أخذ منها الكثير أيضاً. فقد عاشت قسوته حين فقدت بصرها فوق الخشبة، وعاشت قسوة السياسة حين أجبرتها على مغادرة الوطن، ثم عاشت مرارة المنفى والإهمال الذي كانت تشكو منه في سنواتها الأخيرة. ومع ذلك ظلت وفية لفكرة العراق الذي حلمت به: عراق حر، جميل، يتسع لأبنائه جميعاً، بعيداً عن الاستبداد والتهميش والانقسامات.
ومن المؤلم أن تكون نهايتها مرتبطة بحادث عرضي آخر؛ فقد توفيت في أحد مستشفيات بغداد في 22 آذار 2017، بعد نحو أسبوعين من تعرضها لحادث حرق أدى إلى تدهور حالتها الصحية. وهكذا أسدل الستار على حياة فنانة أعطت المسرح سنواتها وموهبتها، بل دفعت ثمن عشقها له من صحتها وبصرها واغترابها.
وقد أحسنت الكتابات التي تناولت سيرتها، ومنها ما ورد في «الموسوعة الحرة»، وما نشرته «الزوراء»، وما حفظته شهادات الفنانين والباحثين عنها، في إبراز جانب من هذه الشخصية الاستثنائية. لكن ناهدة الرماح لا تختصرها قائمة بالأعمال، ولا تكفي الجوائز والتكريمات لتعريفها؛ فهي تنتمي إلى ذلك الجيل الذي جعل من الفن موقفاً ومن المسرح قضية. ولعل أصدق صورة لها أن نقول إنها فقدت نور عينيها وهي تؤدي دوراً على الخشبة، لكنها بقيت حتى النهاية تحمل في داخلها نور المسرح، ونور الإنسان الذي آمنت به، ولذلك بقي اسمها حاضراً في ذاكرة المسرح العراقي، كفنانة أعطت عينيها للمسرح ولم تفقد بصيرتها.







