
منذ أن عرف الإنسان معنى الأثر كان الحرف أولى خطواته نحو الخلود. فهو ليس مجرد علامات تُرسم لتكوين الكلمات بل ذاكرة تختزن روح الحضارات وحكايات الشعوب.
وفي فضاء الفن التشكيلي العربي، خرج الحرف من صفحات الكتب إلى رحاب اللوحة وروحها، ليتحوّل من أداةٍ للقراءة إلى كائنٍ بصري نابض بالحركة والجمال.
لقد اكتشف الفنانون الحروفيون أن للحرف طاقةً تتجاوز المعنى اللغوي فهو خط ولون وإيقاعٌ وموسيقى صامتة، قادرة على بناء عوالم تشكيلية تحمل هوية المكان وعمق الحضارة.
الفنان أكرم العنزي هو أحد أفضل الفنانين التشكيليين المشتغلين على توظيف الحرف العربي في اللوحة التشكيلية، بمعنى هو حروفي مهم له إيمان مطلق بهذا الفن فهو يقول “الخط العربي من الفنون البصرية المرتبطة بالكتابة، حيث تصمم به الأحرف بطريقة ما، أو بأسلوب ما، أو نصممه نحن لنحقق لوحة حروفية تتوافر فيها العناصر المطلوب، كالشكل والتصميم واللون والتوازن والتباين والمضاد والتدرج وغيرها من العناصر التي تجعل اللوحة ناجحه وتتلقى استحسان الرائي”.
أكرم العنزي فنان حاصل على شهادتي الدبلوم في الخط والزخرفة من معهد الفنون الجميلة والبكالوريوس في التصميم الطباعي، وكان تدريسياً في معهد الفنون الجميلة قبل أن يتقاعد.
وهو من الفنانين الذين لم يتأثروا بمن سبقوه لكون اشتغالاته من وجهة نظره لم يشتغلها أحد قبله، فهو يضع في رأسه آلاف التصاميم الحروفية التي يصنع منها لوحاته.
يرى العنزي بأن جميع الألوان جميلة إذا أحسن الفنان استخدامها في التدرّج والتضاد والإنسجام والتباين في عمله الفني، ومن ثم يضيف تكنيكه الخاص ليخرج بالتالي بعمل يتقدم باتجاه الإحتراف.
كما يرى بأن اللون هو أحد العناصر المهمه لبناء اللوحة الناجحة، فهو يقول “زحفت شيئاً بشيء وخطوة بخطوة نحو الفن التشكيلي، وأنا اتسلح بمفردة الخط العربي لتطغي على أكثر أعمالي وبأسلوبي الخاص، حتى أنال استحسان المتلقي”.
الحرف العربي في تجربة الحروفي أكرم العنزي يعدّ جسراً بين التراث والحداثة، وبين قداسة الشكل وحرية التعبير، حيث تتناغم إنحناءات الألف واللام والنون وسواها داخل اللوحة، لتروي حكاية حضارةٍ لم تنفصل يومًا عن جمال الكلمة وروح الصورة.
لم يتعامل العنزي مع الحرف على أنه نص يُقرأ بل يراه مساحة رحبة للتأمل وكتلة تشكيلية تمتلك قدرتها الخاصة على التعبير. فقد يتحرّر الحرف من دلالته اللغوية ويغدو لوناً يفيض بالحياة، أو خطاً يتصاعد كنبض داخلي أو إيقاعاً بصريّاً يقود العين بين مساحات اللوحة. وهنا لا يبحث المتلقي عن معنى الكلمة وحده بل يصغي إلى ما تقوله الحروف من مشاعر، وما تخفيه من ذاكرة، وما تفتحه من أبواب للخيال.
فالحرف في اللوحة الحروفية التي ينتجها أكرم العنزي يحتفظ بجذوره، لكنه ينطلق نحو آفاق جديدة ويغادر حدود الورق ليحاور اللون والضوء والفضاء.
وبين انحناءة وأخرى تتشكل هويةٌ بصرية خاصة بالعنزي تستمدّ أصالتها من عمق الحضارة العربية والإسلامية، وتمنحها روحاً جديدة قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان.
ومن هذا المنطلق لم تكن الحروفيات عند أكرم العنزي بمثابة عودة إلى الماضي أو تكرار لزخارفه، بل كانت قراءةً معاصرة للتراث أعادت إلى الحرف حضوره داخل لغة الفن الحديث.
وهكذا غدت الحروفيات عند العنزي فضاءً يلتقي فيه التاريخ بالحاضر، وتتصالح فيه الذاكرة مع التجديد ليبقى الحرف العربي حياً لا يسكن الكتب وحدها بل يواصل رحلته داخل اللوحة، حاملاً معه جمال اللغة وثراء الحضارة وأثر الإنسان الذي أراد أن يترك من روحه علامةً لا يطويها الزمن.







